شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي

في العلمِ وتحديدِه وأقسامِه:

avatar
رئاسة فريق الإشراف
الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 1766

نقاط النشاط : 3494

السٌّمعَة : 89

بلد العضو :






معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 9:01 am
فصل:

إذ حَدًدْنا الفقهَ بعلم الأحكامِ الشرعيَّةِ، فلابُدَّ أن نُوَضحَ عن حقيقةِ العلمِ الذي حدَّدْنا به الفقهَ ..، وقد اخْتبَطتْ فيها أقوالُ العلماءِ على اختلاف مقالاتِهم وآرائِهم.
والكُل معترَضٌ بطريقين:
أَحدهما: بالخلاف فيما انْبَنى عليه التَّحديد.
والثاني: بطريق التَّحقيقِ، وأن في القَوْلِ فيه والتَحديدِ له قصوراً عنه، وإِجمالًا لا يَصْفو معه كشف حقيقتِه.
فقال قوم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به.
وقال قومٌ: معرفةُ الشَيءِ على ماهو به.


فمَنْ قال: معرفة المعلوم. اعْتُرِضَ قولُه بأنه صَرفَ من اللفظة قبلَ بيانِ معناها، وقولُنا: معلوَم، مصرف من عَلِمَ، كمضروبٍ من ضَرَبَ، ومن لا يعرفُ الأصلَ لا يعرفُ المصرَّفَ منه، وما هذا إِلا بمثابةِ من حَدَّ السوادَ بما سَودَ الجسمَ، ونحن لم نَعْلَمْ سواداً، فكيف نعرفهُ بما صُرفَ منه؟!


ومن قال: معرفةُ الشيءِ. معترَض بأنه يَخرجُ منه العلمُ بالمعدومِ، فإنه علمٌ، وليس بمعرفةٍ بشيءٍ، وإن بناه على ذلك الأصلِ، فهو فاسدٌ بالأدلة القاطعةِ في أصول الدِّينِ. ولو كان ذاتاً في العدَم، لكان مُستغنِياً بذاته عن القديمِ، وهذا نفسُ القولِ بقِدَم العالَمَ، وموافقةٌ لأصحابِ الهوى، فهَذان حدَّان متقاربان معترَضان.


وقال قوم: تَبَيُّنُ المعلوم على ماهو به. والحدُ للحقيقةِ ينتظمُها شاهداً وغائباً، واللهُ سبحانه يَتعالى عن أن يوصفَ بأنه متبيِّنٌ، لِمَا في طبعِ هذه الكلمةِ وجوهرها من العثورِ على الشَّيءِ بعد خفائِه، والظهورِ بعد استبهامِه، وهو بالعثورِ بعد الخفاءِ أخصُّ منه بالمعرفة المطلقةِ.


وقال قومٌ: اعتقادُ الشَيءِ على ما هو به مع سكونِ النفسِ إلى معتقَدهِ. واعْتُرضَ بأن ما تعتقدُه العامةُ من الجهالاتِ، وتَسْكُنُ إليه من التقاليدِ ليست علوماً، وسكونها إلى ما تعتقدهُ تَبْعُدُ إزالتهُ بالتشكيك فيه بأنواعِ الحُججِ والبراهينِ، فضلًا عن الإزاحةِ عنه، وقولهُم: الشَيء. قد أفسَدْناه واعْتَرَضْناه بما دل على إفساد مقالةِ أهلِ المعدومَ.

وقال قوم: إدراكُ المعلوم أو الشَيءِ على ما هو به. وإدراك، لفظ عام يَشترك بين دَرْكِ الحواس والعلومِ، والحدُ بالمشترَكِ لا يجوزُ، وإنما يُحَدُّ الشيءُ بخصيصة.


وقال قوم: الإِحاطةُ بالمعلوم. وهو معترَض بأن الإِحاطةَ تشتَرِكُ أيضاً، يقالُ: أحطتُ به رؤيةً وسَماعاً.


وقال الشيخُ أبو القاسمِ بنُ بَرْهانَ: هو قضاءٌ جازم في النًفْس.
والقضاءُ بالحكم أخص منه بالعلمِ.


واحسَنُ ما وجدتُه لبعضِ العلماءِ أنْ قال: هو وِجْدانُ النفس الناطقةِ لامورِ بحقائقِها.


وقال بعضُ المتأخًرين: العلمُ هو ما أَوجبَ لمن قامَ به كونَه عالماً. وهذا أبعدُ من الكلِّ؛ لما فيه من الِإحالةِ على كون العالِم بما قامَ به عالماً، ونحن لم نعلمْ ما قامَ به، وعن ذلك سُئِلَ، وكونُه عالماً اسمٌ، لكنْ لحقيقةٍ بَعْدُ ما عَلِمْناها، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ سُئِل عن السوادِ فقالَ: هيئةٌ يصيرُ بها الجسمُ اسود، وأسودُ مشتقٌّ من سوادٍ، فقد أحالَ على اسمٍ ما عَقَلْنا بعدُ الحقيقةَ التي لأجلها سُمِّيَ أَسودَ، ويُفضي إلى الدَّوْرِ، فيُعَرِّفُ السَّوادَ بالأسود، والأسود بالسَّوادِ، وما عَرَفْنا الحقيقةَ التي صَدَرَ عنها إلا بتمييز.


وقال بعض المتاخَرين من المحقَقين: لا حَدَّ له عندى، وإنما هذه كلُّهارسومٌ.


فإن قيل: فالحدود كلها تعطي حد الشَيءِ بنفسِه، فإن المعرفةَ هي العلمُ، والتَّبَينَ هو العلمُ، والإِدراكَ هو العلم، فمن قال: العلم المعرفةُ، كمن قال: العلمُ العلمُ.
قيل: أَجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوز حَدُّ المحدودِ بغيرِه، بل لا يُحَدُّ إلا بنفسِه؟ فالسائل عن حَدِّ الشَّيءِ لا يسألُ إلا لجهالتِه بحقيقةِ ما سألَ عنه، فلو أتَيْنا عند سؤالِه عن حقيقةِ الشيءِ بالغيرِ، جَهَّلْناه بحقيقتهِ، إذ أَشَعَرْناه بغيره، وبَعَّدْناه عن مقصودِه، ولو أعدنا عليه ما سألَ عنه، بأنْ يقولَ لنا: ما العلمُ؟ فنقولَ: العلمُ، لَمَا افَدْناه، فقد نطقَ باسم ما عرفَ حقيقته، فإذا أعدنا عليه اللَّفظةَ لم أَفِدْه شيئاً، فإذا بطلَ الأمران، لم يَبْقَ أن يكونَ الجوابُ إلا الفَزَعَ إلى الأوجزِ عبارةً، وأخصِّ خصيصةً؛ لنكشفَ عن حقيقتهِ بإيجازِها، وتخصُّصِها، وكشفِها عن جوهريَّتهِ وطبيعتِهِ، فنكون بذلك مقرِّبين إلى فهمِه معنى ما سألَ عنه، لا عادلين إلى غيرِه، ولا معيدين لِمَا سألَ عنه، بل موضِّحين كاشفِين عن حقيقةِ ما سألَ عنه.


يوضًحُ هذا: أن أهلَ العلمِ أجمعُوا على أن للحدِّ حقيقةً، وهو قولُهم: حدُّ الحدِّ، فقالوا: هو قول وجيزٌ يُنْبِىءُ عن حقيقةِ الشيءِ.
وقال بعضُهم: الجامعُ لجنسِ ما فَرَّقَه التَّفصيلُ.
وقال قوم: هو الجامعُ المانعُ.
وقال قوم: قولٌ وجيزٌ محيطٌ بالمحدودِ، دالٌّ على جنسِهِ.
وقيل: قولٌ وجيزٌ يدورُ على المحدودِ بالانعكاسِ، كقولك: كلُّ جسمٍ فهو جَوْهَرٌ آخِذٌ في الجهاتِ، وكلُّ جوهرٍ آخذٍ في الجهات فهو جسم.
وقيل: الحدُّ ما أحاطَ بالمحدودِ، فمَنَعَ أن يَدْخُلَ فيه ما ليس منه، أويَخْرُج عنه ما هو منه .
وقيل: الحدُ هو الجوابُ في سؤالِ ما هو؟ وأصلُه: المنعُ في اللغة، ومنه سُمَّيَ البوَّابُ حَدّاداً لمنعِه، وسُميَ الإِحدادُ في العِدَّةِ لمنع المرأةِ به التَّطَيُّبَ ودواعيَ الجماع، وسُمِّىَ الحديدُ حديداً لمنع السِّلاحِ، كما قال سبحانه: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80]،وسمي الحدُّ المشروعُ حدًّا لمنعِه من ارتكابِ الجرائمِ، وحدودُ الدار والملكِ هو المانعُ من دخولِ ملكِ غيرهِ فيه، فهو مشترَكٌ بين هندسيٍّ، وفلسفيٍّ، وفقهيٍّ، وأصلُه: الجَمْعُ والمَنْعُ، وإن اختلفت أنواعً المنعِ، فإذا كان للمنع تخصُّصٌ بحقيقةِ الشَّيءِ، فلا يُنكرُ أن يًحَدَّ الشيءً بنفسِه؟ إذ كان هو المخلِّصَ له عن غيرهِ، المانعَ من الشركةِ والاشتباهِ، وهو خلاصةُ الحقيقةِ والخصيصةِ.


وقال قومٌ من الأصوليِّين: لا حاجةَ بنا إلى الحدودِ، ولا معنى لها، لأن في الأسماءِ غَناءً عنها؛ لأنها أعلامٌ على المسمَّياتِ.
وهذا باطلٌ؛ لأن في الحدودِ أكبرَ المنافعِ التي لا يُوجَدُ مثلُها في الأسماءِ، فمن ذلك:
أن الاسمَ قد يُستعملُ على جهةِ الاستعارةِ والمجازِ، فإذا جاءَ الحدُّ بَيَّنَ الاستعارةَ والمجازَ من الحقيقةِ، فتَعْظمُ المنفعةُ؛ لأن كثيراً منه قد يَلْتَبِسُ وُيشكِلً، فيُحتاجُ فيه إلى نظرٍ واستدلالٍ.
ومن ذلك: أنه قد يَتَبَيَّنُ المحدودُ من طريقٍ آخَرَ، وهو أن فيه ذكرَ العِلَّةِ والسَّبب الذي لأجله استَحَق الاسمَ والصفةَ، فيظهرُ معناه بظهورِ عِلَّتهِ، مثل قَولِنا: حكيمٌ: هو اسمٌ، فإذا طُلِبَ الحدُّ، ظهرَتْ حقيقةُ الحكمةِ، فكانت كاشفةً للعِفَةِ، مثلُ قولِهم: هي صفةٌ للمرءِ توجبُ إتقانَ الأفعالِ الصادرةِ عنه.

فصل: فيما يجبُ صيانةُ الحَدِّ عنه:
واعلم أنه لا يجوزُ أن تأتيَ في الحدِّ بالمشترَكِ، كقولِك في العلمِ: إدراكٌ، فيدخلَ فيه سائرُ دَرْكِ الحواسِّ، ولا بما لو أسْقَطْتَه لم يَختلَّ الحدُّ؟ لأنه هو الحَشْو، والحدُّ خُلاصةٌ لا تحتملُ الحَشْوَ، مع كونه مَشروطاً بإيجازِ اللَّفْظِ، وذلك مثلُ قولك في حدِّ الإنسانِ: الكاتبُ المتقلِّدُ السَّيْفَ، وفي العلم: الذي لا يتطرقُ عليه شكٌ ولا شُبْهَةٌ، فهذه زيادةٌ في الحد تُنقصُ المحدودَ، فخرجَ بعضُ الناس عن الحَدِّ، وتخرجُ بعضُ العلوم وهي: الاستدلاليَّةُ، وُيخصُّ الحدُّ بعلم الضرورةِ، وعلمِ القديمِ سبحانه.
وليس ذلك في كلِّ زيادةٍ؛ لأنك لو اتَيْتَ بالزِّيادةِ من الأعم، مثل قولِك: جسمٌ منتصبُ القامَةِ ضَحّاكٌ بكاءٌ؛ فإنه لا يَنقصُ، إذ ليس بعضُ الناسِ ليس بجسمٍ، بخلاف قولِك: كاتبٌ؛ لأن بعضَ الناسِ ليس بكاتبٍ، ولو قال: الكاتبُ بالقُوةِ، لم يَفْسُدْ، لكنَه يطولُ، فيخرجُ عن الِإيجازِ.
ولا يجوزُ فيه الإِبهامُ، مثلُ قولِك: وما جرى هذا المَجْرى أو مَجْرى ذلك، وما كان كذلك، حتى تَتبينَ من أيَ وجهٍ يكونُ.
ولا يجوزُ أن تأتيَ بالجنسِ الأعلى وأنت تقدرُ على الأدنى، مثل، قولِك في حَدِّ الإنسانِ: جَوهرٌ أو جسم، وأنت تقدرُ أن تقولَ: حيّ، ولا باللَّفظِ الأطولِ وأنت تقدرُ على الأقصرِ، مثلُ قولِك: يمشي على رجلَيْنِ، ويَبطِشُ باليَدَيْنِ، ولا بالأعمِّ وأنت تقدرُ على الأخَصِّ، مثلُ قولِك: جسم. وأنتَ تَقْدِرُ على: حَيٌّ.




فصل
فإذا ثَبتَ حَدُّ العِلم، وبَيانُ معنى الحد، فما الأحكام التي تميَّز بها حَد الفِقه في قولنا: العلم بالأحكام الشرعية؟

فهي القضايا الشرعية، وذلك هو: الِإباحة، والحَظْر، والإِيجاب، والنَّدب، والكَراهة، والتَّنْزيه، وقد أدخل قوم فيها: الشَّك، والوقف.
ولا يَسْتَحِقُّ بِمَعْرفةِ هذه الأحكام والعلمِ بها اسمَ الفقيه، إلا مَن عَلمها بطريقِ النَّظرِ في أدلَّةِ الشَّرع، وأَسند كُل حُكم إلى دليله، واسْتَثارَه بمُثير.


فصل
والعلم الذي حَدَّدناه في الجُملة يَنقسم قِسمين: قَديمٍ، ومُحدَثٍ.
فالقديم: عِلمُ الله سُبحانه، صِفة من صِفاته، ولازِم من لَوازِم ذاتِه، دَلَّ على إثباتِهِ إتقانُ أَفْعَاله، ونَصُّ كِتابه، وهو علمٌ واحِد يتعلق بالمعلومات على حَقائقها، لا يَتعدَّد بتعددِ المعلومات، ولا يَتجددُ بتجُدِد المُحدَثات، ولا يُوصَفُ بكسْبِىٍّ ولا ضرورِي.
والقسم الثاني: العِلمُ المُحدَث، وهو ضَربان: ضروري، ومكتسب:
فالضروري: ما لَزِم نفسَ المخلوقِ لزوماً لا يمكن دَفعه والخروج عنه، وقولنا: نفس المخلوق. تحرز عن العِلم القديم، وهو ضربان:
بديهي لا يحتاج إلى مًقدمات، ولا سِياقات نَظرية، كالعلم بنَفسه وأحوالها.
وما يحصل بوسائط ومُقدمات، كعلم الهَنْدسة ومَسائِلها.
وأما الاستدلا ليُ الكَسْبي: فهو العِلم المكتَسَب بالنَظر والاستِدلال، كالاستدلال بالشاهد على الغَائب، والصَّنعة على الصانع، فهذا الضرب من العلم هو الذي حَدَّدنا به الفقه، فقُلنا: العِلم بالأحكام الشرعية. ومع ذِكْرنا للنَظَر فلا بد أن نُحَقِّقه، وكذلك الاستِدلال.
فالنظر الذي هو طَريق العلم الاستدلالي، هو التأمل في حالِ المنظور، كالنَّظر في دلائل العِبر.
والاستدلالُ: طَلبُ مَدلوله، وذلك إنما يَقع بالفِكر والبَحث . والعلم الاستدلالي يَتَطرق عليه الشك والشبْهة.
واعلم: أن علم الاكتِساب كُلَه مَردود إلى علم الاضطِرار، وقد يكون مَردوداً بمقدماتٍ أو مَراتبَ؛ فمِن ذلك أنّه قد يكون عشر مُقدمات في عَشر مَراتب، فَتُرَد العاشرة إلى التاسعة، والتاسعة إلى الثامنة، والثامنة إلى السابعة، ثم على ذلك إلى الأولى. مثاله: الاجتهاد مَردو إلى الإِجماع، والإِجماع مَردود إلى النُبوة، والنبوة مَردودة إلى المعجزة، والمعجزةُ مَردودة إلى أحدِ أمرين:
إما حكمة الله عزً وجل التي دل عليها إتقانُ صَنائِعِه وشرائِعِهِ، فعندها تحصل الثقةُ بأنه لا يُؤيد بمعجزةٍ كذاباً، ولا يزينُ قبيحاً، ولا يصد عن حق، ولا يَحول بين المكلف وبينه، وإذا لم يجد الإِعجاز هذا المُستَنَد، لم تحصل دلالتهُ على صدقِ مَن قام على يَدَيْه.
أو إلى حُكمه وإرادته المطلقة ومشيئته لملكه على اختلاف المذهبين: مذهب أهل السنة، ومذهبِ المعتزلة. فتتم العشرُة على مذهبهم بردِّ حُكمه إلى غِناه عن القَبيح مع علمه به، وغناه عن القبيح مع علمه به مردود إلى دِلالةِ أفعالِهِ، ودِلالة أفعالِهِ مَردودة إلى التغير، والتغير ضرورةٌ.
ومِن شرفِ العلم أنه يَدَّعيه من لا يُحسنه، ويفرح إذا نُسب إليه.
وقولنا: علم كَسبي، نسبةً إلى اكتساب المكتَسِب، وكذلك: علم نَظري، منسوبٌ إلى النظر الذي هو التأمل، مثل قولك: رجل فارسي ومَكّي؛ إذا نسبتَه إلى فارس ومكة.
فكذلك قولنا: علم ضروري، نسبته إلى الضرورة، وهو هجومه على النَّفس بغير استدعاء من المضطر إليه، ولا اختيار لدخوله عليه.

فصل
وطرق العلوم سِتَة لا سابع لها، منها: العلومُ الحاصِلةُ بالمعلومات عن دَرْكِ الحواس، وهي خمس: حاسَّة البَصر، والسمع، والشم والذوق، اللَّمس، والسادس من الطرق؛ ضَربان: هاجمٌ على النفس، وهو الضروري. ومُستحضَر لها بالكسب، وهو الاستدلال بالمحسوس على غير المحسوس، وكل منها يُدرِك الشيءَ وضده إذا كان له ضد، كحاسة البَصر تُدرك السواد والبياض وهما ضِدان، وحاسَّة الشم تُدرِك الطيب والخبيث، وحاسةُ اللَّمس تدرِك الناعِم والجَريش، والحار والبارد، وحاسةُ الذَوق تدرِك الحُلو والحامض. وما يحصل بطريق دلالة الحال من خَجل الخَجِل، ووَجَل الوَجِل، وبِرِّ البارِّ، وعُقوق العاق وما شاكل ذلك.
وأما ما يحصل من غير طريق لكن يدخل على النفس هاجماً كوجود الرِّي، والعَطش، والجوع، والشَبع، وما يجده الِإنسانُ من نفسه، من صِحته وسقمه، ولَذته وألمه، قد قدمنا ذكره في الحصر، وهو السادس من الطرق.

فصل
وهذه العلومُ الحاصلة عن الطرق التي ذكرناها غيرُ مُتولدة من هذه الطرق، وإنما هي حاصلة من اللهِ فعلَاَ عقيبَ وجود الطرق التي ذكرناها، التي بَعضها كَسْبي؛ كالتأمل والاعتبار، والبحوث، والأفكار، وبعضها تدخل دخول غَلَبة؛ مثل العلم الحاصل عن أخبار التواتر، وما يدخل على العيان، وسائر الحواس، فيُحدِث الله العلمَ عقيبه كما يُحدث الموتَ عقيب الجراح، والجزعَ عند رُؤية الأسد، والمسرة عند تَجددِ الظَّفر، وقُدوم الغائب، وإيلادِ الوَلد، إذ كان القول بالتولد قولًا يُضاهي قول أهلَ الطَّبع الذي قامَ بفساده دليل العقل، وكذبه الشرع. وذلك هو المانعُ لنا من القول بخلقِ الأفعالِ مضافةً إلى غيرِ اللهِ سُبحانه، وكما قامت الدلالةُ بفَساد قولِ أهلِ الطبْع، قامت بفسادِ القولِ بإثباتِ شريكٍ في الخلق.
وإنما أنِس كثير من المُسْتَأْنِسِين بالحواس المحطوطِين عن درجة النظر بجَري العادات، فأضافوا إلى غيرالله ما لا يكون إلا من الله؛ كالولدَ يوجد عند الجماع، والزَرعِ يوجد عن فعل الزرّاع، والموت يوجد عند جَرح الجارح، وذلك أثر وجد عنده وعقيبه لا عَنه، وكذلك وجود الكون عند وجود الجوهر لا مَحالة، وليس بمتولدٍ عنه بما ثبت لله تعالى من دلالة الوحدة في الصنع، وهذا أصل كبير.







(الوَاضِح في أصُولِ الفِقه لأبي الوَفاء عَلي بن عَقيل الحَنبلي.)
المكتبة الشاملة.











قال المجد ابن تيمية في المُسَوَّدة: " لله در الواضح لابن عقيل من كتاب، ما أغزر فوائده، وأكثر فرائده، وأزكى مسائله، وأزيد فضائله، من نقل مذهبٍ، وتحرير حقيقةِ مسألةٍ، وتحقيق ذلك ".اهـ.



التوقــيـــــــــــــــــــــع

رد: في العلمِ وتحديدِه وأقسامِه:

avatar
عضو نشيط
الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 218

نقاط النشاط : 457

السٌّمعَة : 11

بلد العضو :

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 6:58 pm
ٍالسلام عليكم ورحمة الله
بارك الله فيك على الموضوع الدقيق والطرح الانيق
جزاك الله كل الخير وجعله في ميزان حسناتك

رد: في العلمِ وتحديدِه وأقسامِه:

avatar
عضو محترف
الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 2207

نقاط النشاط : 2266

السٌّمعَة : 15

بلد العضو :

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الخميس أكتوبر 19, 2017 8:42 pm
بارك الله يعيطك العافية
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Propellerads                                                                           Propellerads