شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي

الفكر السياسي عند الماوردي

avatar
بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : ذكر

    عدد المساهمات : 2254

    نقاط النشاط : 4207

    السٌّمعَة : 92

    بلد العضو :





    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
    تمت المشاركة في الإثنين أغسطس 28, 2017 5:32 am
    المقدمة:
    هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي ، مفكر إسلامي ناضج الفكر ، من وجوه فقهاء الشافعيين ، إمام في الفقه والأصول والتفسير ، وبصير بالعربية ، وكان من رجال السياسة البارزين في الدولة العباسية وخاصة في مرحلتها المتأخرة ، هذا إلى جانب إلمامه التام بأصول علم الاجتماع وقواعده
    يعتبر الماوردي من أبرز المنظرين للنظرية السياسية في التاريخ الإسلامي والمرجع الأساسي في هذا المجال، فقد جاءت نظريته حول الحكم مسايرة للواقع والظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية في الفترة التي عاش فيها، فقد عاش الماوردي في ظل السيطرة البُوَيهية على الخلافة العباسية، وعاصر ظهور الدولة الفاطمية في مصر وتوسعها في بلاد الشام، وقد حدد هذا الوضع توجهه الفكري، حيث عمل على نصرة المذهب السني والخلافة العباسية التي كان يعمل لديها في مواجهة الشيعة الإمامية المتمثلة في البويهيين والتهديد الفاطمي الإسماعيلي.
    لقد كان الماوردي من أكبر فقهاء الشافعية وألّف في الفقه الشافعي موسوعته الضخمة "الحاوي الكبير"، كما تولى القضاء للخليفة العباسي، وكان يلقب بـ "أقضى القضاة"، وقد انعكس هذا الوضع على نظريته حول الإمامة والحكم في المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، حيث انطلقت من الواقع المجزأ لدولة الخلافة، والخطر المهدد لها من قبل البويهيين والفاطميين من الشيعة.
    يرى الماوردي أن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، فمن خلال ما سبق تتضح لنا معالم نظرية السنة التي أصّل لها الشافعي، باعتبار الإجماع مصدر السلطة، كما يتضح هذا المبدأ أيضا في توضيحه لمعنى حراسة الدين، والتي هي المهمة الأولى للخلافة، والتي تتمثل في أنها حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة
    لقد سعى الماوردي إلى إدخال الدين من خلال الآداب السلطانية إلى الفعل السياسي، لذلك لم يفصل بين الديني والسياسي، ليوسع دائرة الديني في الفقه والشريعة، لتشمل فضاء السياسي، فعلم السياسة يندرج عنده تحت صناعة الفكر، والسياسة هي التدبيرات الصادرة عن نتائج الآراء الصحيحة . فالعلم السياسي عنده جملة من المبادئ النظرية إذا اتخذها الأمير مقياسا وموجها كانت تدابيره صادرة عن نتائج الآراء الصحيحة
    أهمية الفكر السياسي للماوردي:
    ولد الإمام الماوردي في حالة اضطراب سياسي كبير في العصر البويهي، وقد نهل العلم في البصرة، وهي موئل العلم آنذاك، ونهل من شيخه ابن القاسم، وكان هذا الشيخ من أقطاب فقهاء الشافعية في ذلك العصر، ونهل من علم الإسفراييني في بغداد، ولما تكامل علمه ولي القضاء في مدن إسلامية شتى، حتى لقب بأقضى القضاة.(1 )
    كان الماوردي رحمه الله من وجوه فقهاء الشافعية، وقد كان من رجال السياسة البارزين في الدولة العباسية، وخاصة في مرحلتها المتأخرة.
    يصفه السبكي بقوله: ( كان إماماً جليلاً، رفيع الشأن، له اليد الباسطة في المذهب الشافعي، والتفنن التام في سائر العلوم ).
    نشأ الماوردي في معترك الصراع الفكري في البصرة ثم رحل إلى بغداد ليلتقي أبا حامد أحمد بن أبي طاهر الأسفراييني.
    كان الماوردي يلقب بأقضى القضاة، وقد تألق نجم الماوردي في أثناء إقامته ببغداد، حتى اختير سفيراً بين رجالات الدولة في بغداد، وذلك لما علم عنه من فضل، وعلم، وحسن رأي، وجلالة قدر.( 2)
    قال الفقيه الكبير أبو زهرة الإمام الماوردي: "اتصف أبو الحسن بصفات جعلته في الذروة بين رجال العلم، فقد كان صاحب ذاكرة واعية، وبديهة حاضرة، وعقل مستقيم، والثانية الحزامة في القول والعمل، والثالثة الحلم وضبط النفس، والرابعة التواضع وإبعاد النفس عن الغرور، وكان حيياً شديد الحياء، وفيه وقار وهيبة، والخامسة الإخلاص ".
    وللماوردي مجموعة من المؤلفات القيمة، منها: تفسير القرآن الكريم، وهو مخطوط، وكذلك كتاب الحاوي في فقه الشافعية، وكتاب أدب القاضي، وكتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك، وكتاب الأحكام السلطانية، الذي يؤكد وزن الماوردي الثقيل في الفقه السياسي الإسلامي، وقد حرص الماوردي في مؤلفه هذا على دراسة جوانب الحكم جميعها في الدولة، وتقرير قواعد الأصول، وتحديد حقوق المواطنين وواجباتهم من قبل الحاكم والدولة.
    كان الماوردي عرضة لدراسات جمهرة من المستشرقين منهم: (جب) عضو مجمع اللغة الغربية المصري، عبر مقالة نشرها في مجلة (lamic culturesi) الهندية عام 1973 م، وكذلك مقال لبروكلمان عن الماوردي في دائرة المعارف الإسلامية.( 3)
    وقد قسم الماوردي الأحكام السلطانية إلى عشرين باباً، أهمها: عقد الإمامة، وتقليد الوزارة، والولاية على الحروب والمصالح، ولاية القضاء... ألخ.
    يقول الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.
    وقال أيضاً: فما كان العقل ليتعارض مع الشرع بحال من الأحوال، وذلك لأن الشريعة الإسلامية معقولة الأحكام والغايات.
    إن كتاب الماوردي الأحكام السلطانية يمثل خلاصة تجربة هذا الإمام الجلي وعلميته الثرة في تقعيد قواعد علم السياسة الشرعية.
    يقول الإمام الماوردي: " إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض السياسة، ليصدر عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استتبت بها الأمور العامة، وصدرت عنها الولايات الخاصة، ولولا الولاة لكان الناس فوضى مهملين ـ وهمجاً مضاعين ".(4 )
    ويقول الماوردي أيضاً: ( اعلم أن ما تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء: وهي قواعدها،، وإن تفرعت، وهي: ( دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح )، والسلطان القاهر تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية، لأنه في طباع الناس من حب المغالبة والمنافسة على ما آثروه، والقهر لمن عانده ما لا ينفكون عنه إلا بمانع قوي ورادع ملي ).( 5)
    إن الشروط التي اشترطها الإمام الماوردي في الحاكم ( الإمام أو الخليفة ) تعتمد على مبدأ الإسلام الأخلاقي أولاً، بينما نجد ميكافلي المولود عام 1469 بفلورنسا صاحب كتاب الأمير 1513 م أول من فصل بين السياسة والأخلاق، حيث دعا في السياسة إلى الكذب، والخداع، والقسوة، والإرهاب والغدر، وتعد هذه الأصول في السياسة اللاأخلاقية مدار اقتداء لمجموعة كبيرة من العلمانيين واللادينيين، ومنهم: موسليني، وهتلر، وغيرهما من أركان المدرسة اللادينية، إذ كان موسليني يطيل الاستشهاد به، بينما قال هتلر: ( إن ما يعنيني هو سياسة القوة، وأعني بذلك أن استعمل كل الوسائل التي تبدو لي أن من الممكن الاستفادة منها، دون إتباع قانون الشرف ).
    لقد حظي الماوردي باهتمام كبير من الدارسين جميعهم في حقل السياسة الشرعية من مسلمين وغربيين.


    نشأة الدولة عند الماوردي:
    الإنسان مدني بطبعه:
    يقر الماوردي من أن الإنسان اجتماعي بالطبع، وأنه يصعب عليه العيش منفرداً، بل لا بد من اجتماعه وتعاونه مع غيره من أفراد المجتمع الآخرين من أجل صالحهم جميعاً، يتفق فيه مع الماوردي كثيرون ونخص منهم بالذكر أرسطو، فالإنسان عند أرسطو مدني بالطبع، ويقول في ذلك: " ومن لا يستطيع الائتلاف، أو ليس بحاجة إلى شيء لاكتفائه بذاته، لا يمت إلى الدولة بصلة، وهو موحش أو إله "( 6).
    نشأة الدولة :
    وهكذا تدعو الحاجة يدعو تباين الناس واختلاف البشر إلى أن يجتمعوا ويتعاونوا ويكونوا ما يسمى بالدولة أي أن نشأة الدولة أو الدنيا عموماً مردها حاجة البشر لسد حاجاتهم ، وأن العقل هو الذي يوجه الإنسان إلى كيفية التعاون والترابط مع الآخرين .
    قواعد صلاح الدولة :
    يذكر الماوردي أن حاجة الإنسان إنما هي من أمر الله ومن نعمته إلا أن الدنيا بأسرها أو الدولة بالمعنى السياسي تحتاج عند الماوردي إلى ستة قواعد أو أمور هي : ( 7)
    1.دين متبع :
    والدين يصرف النفوس عن شهواتها ، ويراقبها في سرائرها وخلواتها ، و هو أقوى في صلاح الدولة واستقامتها .
    2.سلطان قاهر :
    تتألف برهبته الأهواء المختلفة ، ويسوس الدولة نحو تحقيق أهدافها العليا ، ويحفظ الدين ، ويحرس الناس ، ويحقق لهم أمنهم ، ويحفظ عليهم أرزاقهم ، والسلطان هو الإمام أو الخليفة وسوف نتناوله تفصيلياً فيما بعد .
    3.عدل شامل :
    يدعو إلى الألفة ، ويبعث على الطاعة ، وتعمر له البلاد ، وتنمو به الأحوال ، ويكثر معه النسل ، ويأمن به السلطان ، فقد قال الهرمزان لعمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين وأمير المؤمنين – رضي الله عنه- عنه عندما رآه نائماً تحت ظل شجرة بدون حراسة " لقد حكمت فعدلت فأمنت يا عمر ، وليس شيء أسرع في خراب الأرض ، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور " .
    والعدل يبدأ بعدل الإنسان مع نفسه ، ثم بعدله مع غيره ، فأما عدله مع نفسه ، فيكون بحملها على المصالح ، وكفها عن القبائح ، لا يتجاوز ولا يقصر ولا يظلم ، وأما عدله مع غيره فيقسم إلى ثلاثة أقسام : ( 8)
    أ‌.عدل الإنسان فيمن دونه : كالسلطان في رعيته ، والرئيس مع صحابته ، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء : اتباع الميسور ، وحذف المعسور ، وترك التسلط بالقوة ، وابتغاء الحق .
    ب‌.عدل الإنسان مع من فوقه : كالرعية مع سلطانها ، والصحابة مع رئيسها ، ويكون بثلاثة أشياء : إخلاص الطاعة ، وبذل النصرة ، وصدق الولاء .
    ت‌.عدل الإنسان مع أكفائه : ويكون بثلاثة أشياء : بترك الاستطالة ، وبحانية الإذلال ، وكف الأذى.
    ويرى الماوردي أن العدل من الاعتدال ، وأن الفضيلة وسط بين رذيلتين وهذه فكرة أرسطية قديمة.
    يقول الماوردي " أفعال الخير المتوسط بين رذيلتين ، فالحكمة واسطة بين الشر والجهالة ، والشجاعة : واسطة بين التقحم والجبن ، والعفة : واسطة بين الشره وضعف الشهوة ، والسكينة : واسطة بين السخط وضعف الغضب ".( 9)
    4.أمن عام :
    تطمئن إليه النفوس ، وتنتشر فيه الهمم ، ويسكن فيه البريء ، ويأنس به الضعيف ، فليس لخائف راحة ، ولا لحاذر طمأنينة ، إن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ، ويحجزهم عن تصرفهم ، ويكفهم عن السعي في الحياة وهم في طمأنينة وأمان ، والأمن من نتائج العدل ، والجور من نتائج ما ليس بعدل .
    5.خصب دائم :
    أي الوفرة في الأرض والممتلكات ولأموال ... فيها يقل في الناس الحسد ، وينتفي عنهم تباغض العدم ، وتتمتع النفوس في التوسع والتواصل ، وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدولة وانتظام أحوالها لأن الخصب يئول إلى الغنى ، والغنى يورث الأمانة والشجاعة ، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري : لا تستقضين إلا ذا حسب أو مال ، فإن ذا الحسب يخاف العواقب ، وذا المال لا يرغب في مال غيره ، وقال بعض السلف : إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى ، وشر الدنيا في الفجور والفجر .
    6.أمل فسيح :
    يربط الجيل الحالي بجيل المستقبل ، فالجيل الحالي يرث الجيل الماضي ، ويعدل لجيل المستقبل آمالاً عراضاً ، ولو قصرت الآمال ، ما تجاوز الواحد حاجة يومه ، ولا تعدى ضرورة وقته ، ولكانت تنتقل الدنيا إلى من بعده خراباً ، ولا يجد فيها حاجة ولا يدرك منها شيئاً ، ثم تنتقل إلى من بعده بأسوأ من ذلك حالاً حتى لا ينمى بها نبت ، ولا يمكن فيها لبث ، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " الأمل رحمة من الله لأمتي ، ولولاه ما غرس شجراً ، ولا أرضعت أم ولداً ".
    هذه القواعد الست التي إن وجدت في الدولة صلحت ، وإن اختلت بعضها أو كلها اختلت أمور الدولة .

    الإمامة عند الماوردي:
    والإمامة التي هي عند الماوردي من أجل حراسة الدين وسياسة الدنيا، هي عقد مبايعة بين من يقوم بها وأهلها، وبين أهل الحل والعقد من الأمة الإسلامية على أن يقوم فيهم بحراسة دينهم وسياسة دنياهم على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله أو ما استمد منهما من إجماع أو قياس صحيح بحيث لو لم يحصل هذا العقد بين الإمام والرعية يقع في الحرج والإثم فريقان أحدهما أهل الاختيار وهم أهل الحل والعقد، ولا يخرجون عن ذلك إلا بأن يختاروا إماماً للأمة وثانيهما من يكون أهلاً للإمامة حتى ينتصب من الأمة أحدهم للإمامة ويقبل البيعة على شرطها، وليس على من هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم.
    واختيار الإمام هو المبايعة من أولى الحل والعقد، أي أن أولي الحل والعقد والجنود وجماهير المسلمين يعطون الإمام ( الخليفة ) عهداً على السمع والطاعة في المنشط والمكره، ما لم تكن معصية، ويعطيهم العهد على أن يقيم الحدود والفرائض، ويسير على سنة العدل، وعلى مقتضى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإمام بمقتضى هذه المبايعة وهي عقد متبادل بين الحاكم والمحكومين يتولى إذن الحكم برضا المحكومين، وهذا العد على الطاعة يكون للخليفة وحده وليس لزوجته، وذلك على عكس ما كان يحدث في الدول المسيحية كبيزنطة مثلاً، التي كانت تولية الملك الحكم تعني تولية زوجته معه ".(10 )
    يقول الماوردي: " ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن الإمامة لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار، لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له، فإن اتفقوا أتموا، لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد ".
    " والإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله تعالى وحقوق الآدميين، لا يجوز صرف من استقرت فيه إذا كان على صفته، فلم يفتقر تقليد مستحقها مع تميزه إلى عقد مستثبت له ".( 11)

    الأمة هي الأصل:
    ويقول الماوردي بصدد توضيح أن الأمة هي الأصل في عقد الإمامة: " فإن تنازعاها (أي تنازع اثنان على الإمامة أو الحكم ) وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق لم تسمع دعواه، ولم يحلف عليها، لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعاً، فلا حكم ليمينه فيه ولا لنكوله عنه ".(12 )
    فالمسلمون هنا، أو الشعب بمعنى آخر، هم الذين يتولون اختيار الإمام، وهو الذي يتولى رعاية شؤونهم، ويتم الاختيار بطريق البيعة الصحيحة الشرعية، ويتولى هذه البيعة نواب الأمة وممثلوها، وهم أهل الحل والعقد، ويشترط في أفراد هذه الجماعة أن يكووا عدولاً، وأهل علم وخبرة حتى يتسنى لهم أداء المهمة الخطيرة الموكولة إليهم على خير وجه.

    شروط اختيار أهل الحل والعقد:
    ولخطورة المهمة الملقاة على عاتق أهل الاختيار في إقامة الإمام واختياره، فلقد اشترط أن تجتمع فيهم عدة شروط عليها مدار المشورة وبها تشتمل صواب الرأي، والشروط التي يجب أن تتوافر في أهل الاختيار هي:
    1.الفطنة والذكاء: لئلا تشتبه عليهم الأمور فتلتبس، فلا يصح مع اشتباهها عزم.
    2.الأمانة: لئلا يخونوا فيما ائتمنوا عليه، ولا يفشون فيمت استنصحوا فيه.
    3.الصدق: صدق اللهجة.
    4.أن يسلموا فيما بينهم من التحاسد والتنافس، فإن ذلك يمنعهم من الكشف عن صواب الرأي.
    5.أن يسلموا فيما بينهم وبين الناس من العداوة والشحناء، فإن العداوة تصد عن التناصف وتحجب عن صواب الرأي.
    6.أن لا يكونوا من أهل الأهواء، فيخرجهم الهوى عن الحق إلى الباطل.
    7.أن يكونوا من كبراء الدولة ومشايخ الأعوان، لأن المشايخ قد حنكتهم التجارب، وعركتهم النوائب، وقد شاهدوا من اختلاف الدلة ما وضح لعقولهم صواب الرأي.
    فأهل الحل والعقد أو كما يسميهم الماوردي أهل الاختيار هم الذين يترك لهم الاضطلاع، نيابة عن الأمة، بمسؤولية اختيار حاكم الأمة، وهم الذين يوجبون العقد ومسئولون أيضاً عن إتمامه وإنفاذه، وهم في مباشرتهم لهذه المسؤولية، يفعلون ذلك نيابة عن لأمة كلها، في استعمال ما هو حق أصلي لها، ولا يعتبرون في ذلك متصرفين في حق من حقوق أنفسهم، ويقع على أهل الاختيار الإثم إذا قصرت في تأدية مهمة الاختيار لحاكم الأمة، وهذا هو ما ينبغي أن يفهم من قول الماوردي.
    فشرائط الاختيار عند الماوردي، أو كما يسميهم البغدادي أهل الاجتهاد أو كما يقول النووي في كتابه المنهاج " العلماء الرؤساء ووجوه الناس، الذين يتيسر اجتماعهم " نقول أن الصفات التي يجب أن تتوافر في أهل الاختيار عند الماوردي هي بلغة عصرية الأخلاق الفاضلة، والعلم بأحكام هذا المنصب في الدين، والثقافة والخبرة السياسيتين، ولا يعتبر باختيار الأمي أو الجاهل غير المثقف، لأنه أصلاً غير قادر على الاختيار.
    فعقد الإمامة عند الماوردي يقوم إذن على اختيار الأمة، ومبدأ الانتخاب قائم كما هو مسلم به ولم يخرج عليه أحد، وعلماء الإسلام جميعاً يرون أن يكون اختيار الإمام عن طريق المبايعة الصحيحة الحرة، وأن الاختيار لا بد أن يظفر بالموافقة العامة، ولا بد أن يكون تعيين الإمام بالمشاورة والرضاء، والاختيار هنا إنما يكون لأفضل الرجال وأكثرهم تقوى وورعاً وعلماً ودراية بأمور الحياة، وهذا ما يوضحه قول الماوردي:
    " فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار، تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته ".( 13)
    فالموجب إذن لعقد الإمامة عند الماوردي، وكما اتضح لنا من الأدلة السابقة، أن الطرف الأول لعقد الإمامة هو الأمة، أو كما يعبر عنها الماوردي بلفظ المسلمين.
    فالإمامة كما تقدم ذلك في الفصل الأول وبقول الماوردي نيابة عن المسلمين، وأنها حق الأمة جميعاً، و تنطوي على حقوق لهم، وما دام قد ثبت لدينا أن الإمامة هي نيابة أو وكالة عن الأمة فمعنى ذلك أن الأمة من الوجهة السياسية العلمية هي مصدر السلطات وبالتالي فإن كل ما يصدر عن الإمام، وهو رئيس الدولة، من سلطات أو ولايات، فمرجعه الأول إرادتها، وهذه الإرادة الشعبية هي التي توجب العقد باختيار، وتمنح حق التصرف في تلك الحقوق باختيار، وهذا العقد ما بين الحاكم والمحكومين، وهو ما يتم بديمقراطية تامة، هو حجر الأساس في بناء الدولة، وهو ما يؤكده الماوردي بقوله: " لأنها ( وهي الإمامة ) عقد مراضاة واختيار، لا يداخله إكراه ولا إجبار ".( 14)
    واجبات الحاكم:
    يتكلم الماوردي بالتفصيل عن واجبات الخليفة، تمشياً مع ما يقره الإسلام من التحدث عن الواجبات أكثر من التحدث عن الحقوق، ذلك أنه يقر أن القيام بالواجبات هو السبيل الوحيد لنيل الحقوق، والذي يلزم الخليفة ( الحاكم ) من الأمور العامة (الواجبات) عند الماوردي عشرة أشياء: (15 )
    •حفظ الدين على أصوله المستقرة وما اجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنده أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل والأمة ممنوعة من ذلل.
    •تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم الصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.
    •حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.
    •إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
    •تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة حتى لا تظهر الأعداء بغزة ينتهكون فيها محرماً أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً.
    •جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله.
    •جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف.
    •تقدير العطايا وما يستحق في بين المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.
    •استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يخوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة.
    •أن يباشر بنفسه الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة فقد يخون الأمين ويغش الناصح.
    ضرورة وجود حاكم قوي:
    يقول الماوردي مؤكداً على ضرورة وجود السلطة الحاكمة: " إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة وحاط به الملة وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع وتجتمع الكلمة على رأي متبوع فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استثبتت بها الأمور العامة، وصدرت عنها الولايات الخاصة، ولولا الولاة لكان الناس فوضى مهملين، وهمجاً مضاعين. (16 )



    المصادر والمراجع:



    الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، بغداد،1989، ص7.
    طبقات الشافعية، السبكي، 3/303.
    صلاح الدين بسيوني، الفكر السياسي عند الماوردي، مكتبة نهضة الشرق، جامعة القاهرة، 1985، ص 37.
    الأحكام السلطانية، ص2-3.
    الماوردي، أدب الدين والدنيا، تحقيق الدكتور مصطفى السقا، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، 1959، ص 119.
    رسلان، صلاح الدين بسيوني، الفكر السياسي عند الماوردي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1983، ص181 .
    رسلان، المرجع السابق، 1983 .
    المصدر السابق ، ص 294 .
    الماوردي ، أدب الدين والدنيا ، ص 127.
    عبد المنعم ماجد، تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، القاهرة، 1963 م، ص 27.
    الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 6.
    الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 6.
    الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 5.
    الماوردي، ص 5.
    الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 12-13.
    الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 2-3.
    التوقــيـــــــــــــــــــــع

    رد: الفكر السياسي عند الماوردي

    avatar
    بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : انثى

    السمك

    عدد المساهمات : 125593

    نقاط النشاط : 141178

    السٌّمعَة : 2957

    بلد العضو :

    العمر : 31

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://taqnyiat.ahlamontada.com/
    تمت المشاركة في الثلاثاء أغسطس 29, 2017 1:25 am
    يعطيك العافية على الموضوع
    جزاك الله خيرا على حرصك واهتمامك
    دمت بخير
    التوقــيـــــــــــــــــــــع


    رد: الفكر السياسي عند الماوردي

    avatar
    بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : ذكر

    الدلو

    عدد المساهمات : 25792

    نقاط النشاط : 30300

    السٌّمعَة : 189

    بلد العضو :

    العمر : 17

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://rom2o.ahlamontada.com
    تمت المشاركة في الأربعاء أغسطس 30, 2017 7:48 am
    جزاك الله خيرا شكرا لك
    التوقــيـــــــــــــــــــــع





    الناس عايزه اللى يخدعهم بمزاجهم وكل ما اللعبه كانت قويه ومحبوكه وبتتصدق كل مانجحت كل مابقيت موجود واستمريت وسيطرت  وردة حمراء

    رد: الفكر السياسي عند الماوردي

    avatar
    رئاسة فريق الإشراف
  •  

  • الجنس : انثى

    عدد المساهمات : 1629

    نقاط النشاط : 2153

    السٌّمعَة : 2

    بلد العضو :




    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://marafe-aleman.forumegypt.net/
    تمت المشاركة في الخميس يناير 11, 2018 4:12 pm
    جزاك الله كل الخير 
    وجعله الله في ميزان حسناتك يوم القيامة
    تسلم الأيادي وبارك الله فيك
    تقبل احترامى وتقديرى
    التوقــيـــــــــــــــــــــع


    رد: الفكر السياسي عند الماوردي

    avatar
    مشرف عام الإشراف
  •  

  • الجنس : انثى

    الدلو

    عدد المساهمات : 11715

    نقاط النشاط : 14277

    السٌّمعَة : 32

    بلد العضو :

    العمر : 54



    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://www.manssora.com/
    تمت المشاركة في الخميس يناير 11, 2018 7:04 pm
    يعطيك العافيه اخي بوجمعة
    على الطرح المميز وعلى الإفادة
    تسلم الايادى
    دمت بحفظ الرحمن
    التوقــيـــــــــــــــــــــع
    استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
    صلاحيات هذا المنتدى:
    لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
    Propellerads                                                                           Propellerads
    Top