شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي

المؤمن بين الوجل والطمأنينة

avatar
عضو محترف
الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 2453

نقاط النشاط : 3670

السٌّمعَة : 29

بلد العضو :

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الأحد ديسمبر 04, 2016 6:42 am
بسم الله الرحمن الرحيم




لطالما تساءل بعض المسلمين عن سر وصف كتاب الله تعالى قلب الؤمن في أحد المواضع بأنه خائف وجل من عذاب الله وعقابه عند ذكره سبحانه، ومطمئن راج لواسع رحمته وشمول عفوه ومغفرته في مواضع أخرى.




أما صفة الوجل لقلب المؤمن عند ذكر الله فقد وردت في أكثر من موضع من كتاب الله تعالى، ففي سورة الأنفال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2].




قال ابن كثير في تفسير الآية: "قال مجاهد: "{وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فرقت، أي: فزعت وخافت". وكذا قال السدي وغير واحد....وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره" (تفسير ابن كثير [4/11]).




وفي سورة الحج وردت نفس الصفة للمخبتين من عباد الله، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[الحج من الآيتين:34-35]،  قال الضحاك وقتادة: "المخبتون هم المتواضعون". وقال السدي: "هم الوجلون"، وأحسن ما يفسّر – به المخبتين - بما بعده وهو قوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} كما قال ابن كثير في تفسيره [ 5/424- 425].




وأما صفة طمأنينة قلب المؤمن وسكينته وركونه إلى سعة رحمة الله وجزيل عفوه عند ذكره سبحانه فقد وردت في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، قال السعدي في تفسيره: "أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها حقيق بها، وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته" (ص [417]).




ولا تعارض في الحقيقة بين الوجل الوارد في سورة الأنفال وبين الطمأنينة الواردة في سورة الرعد، وفي ذلك يقول الإمام القشيري في (لطائف الإشارات): "يقال: سنة الحق سبحانه مع أهل العرفان أن يرددهم بين كشف جلال ولطف جمال، فإذا كاشفهم بجلاله وجلت قلوبهم، و إذا لاطفهم بجماله سكنت قلوبهم".




والحقيقة أن كلمة السر في هذا الوصف القرآني المزدوج لقلب المؤمن عند ذكره سبحانه، ومفتاح فهم المراد من ذلك في أكثر من موضع من كتاب العزيز الحكيم هو: التوازن الذي أراد الإسلام أن يراه في حياة المؤمن، والذي يجعله راجيًا طامعًا برحمة الله وعفوه وكرمه دون أن يترك العمل الصالح، وفي نفس الوقت خائفًا وجلًا من شديد عقابه دون أن يصل ذلك الخوف إلى القنوط واليأس من رحمة الله.




نعم.. إن رجاء المؤمن بما عند الله من النعيم الذي وعد الله به عباده المتقين يدفعه إلى مواصلة العمل الصالح والتقرب إلى الله تعالى بالتزام أوامره واجتناب نواهيه، في الوقت الذي تردعه فيه نصوص الوعيد والتحذير من عقاب الله عن ارتكاب المحرمات أو التمادي في تجاوز حدود الله.




وهكذا يعمل التوازن بين الوجل والطمأنينة في قلب المؤمن عمله في ضبط سلوكه في حياته الدنيا، فإذا ما جنحت نفسه نحو الإسراف في المعاصي وارتكاب ما نهى الله عنه ذكرها بالخوف من عقاب الله تعالى وعذابه حتى ترتدع وتعود عن ذلك، وإذا ما غلب الخوف على نفسه حتى بلغ به مبلغ القنوط من رحمة الله المنهي عنه ذكّرها بعظيم رحمة الله وآيات الرجاء.




إن من يدقق في كثير من انحرافات بعض المسلمين في سلوكهم وأعمالهم في هذه الأيام، يجد أنها ناجمة عن سوء فهم لما ورد في كتاب الله تعالى من أعمال القلوب، وخاصة الوجل والطمأنية "الخوف والرجاء" سواء من خلال انتهاك بعضهم لنواهي الله بارتكابها، ناهيك عن عدم العمل بأوامره، بل وإسرافهم في الجرأة في تجاوز حدود الله.. اعتمادًا على فهم خاطئ لحسن الظن بالله والأمن من عقابه وعذابه.. أو من خلال إسراف البعض الآخر في الخوف من الله تعالى الذي يصل عندهم إلى حد القنوط من رحمته سبحانه أو اليأس من واسع عفوه ومغفرته.




أما الصنف الأول الذي أسرف في الرجاء واعتمد عليه دون أن يقرنه بالخوف والوجل من الله تعالى، فقد وصل به المقام إلى ترك المأمورات والواجبات الإلهية، وهؤلاء وأمثالهم يصدق بحقهم قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99].




وأما الصنف الثاني الذي غلب عليه الخوف من الله دون أن يكون معه رجاء وحسن ظن بعظيم رحمة الله وعفوه، فقد وصل به المقام إلى القنوط من رحمة الله التي حذر منه كتاب الله في أكثر من موضع، قال تعالى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56]، وقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف من الآية:87].




إن المتأمل لكتاب الله تعالى يمكنه أن يتلمس سمة التوازن بين الوجل والطمأنينة المطلوبة من المؤمن في كثير من آيات القرآن الكريم ومنها قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر من الآية:9]، ومنها قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء من الآية:57]، وقال تعالى في وصف أنبيائه ورسله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[الأنبياء من الآية:90].




لقد أكد الإمام ابن القيم رحمه الله على ضرورة تلازم وجود صفتي الوجل والطمأنينة في قلب المؤمن في رحلة سيره إلى الله تعالى فقال: "القلب في سيره إلى الله  بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان؛ فهو عرضة لكل صائد وكاسر".




كما أن التابعي المعروف مكحول قد حذر من مخاطر عبادة الله اعتمادًا على الخوف فقط أو على الرجاء فقط أو المحبة فحسب فقال: "من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري – الخوارج - ومن عبده بالرجاء فهو مرجئي، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد سني".




د. عامر الهوشان
التوقــيـــــــــــــــــــــع


رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

زائر
زائر
تمت المشاركة في الأحد ديسمبر 04, 2016 4:30 pm
شكراً لك على الطرح المُمَيّز.

رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

avatar
عضو خبير
الجنس : انثى

القوس

عدد المساهمات : 1200

نقاط النشاط : 1283

السٌّمعَة : 8

بلد العضو :

العمر : 16

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الأحد ديسمبر 04, 2016 4:31 pm
مشكوور عالطرح ابدعت
التوقــيـــــــــــــــــــــع


اتمنى ان اكون سبب سعادة لمن حولي
وأن لااكون وجعا لاحد
...ربماآ انا لااستطيع إسعآد أحد ..ولكن اقسم انني لا احب ايذاء احد

رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

زائر
زائر
تمت المشاركة في الأحد ديسمبر 04, 2016 4:33 pm
شُكْرَاً لَك عَلَى الطَرْح المُمَيّز.

رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

avatar
بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : انثى

    السمك

    عدد المساهمات : 125714

    نقاط النشاط : 141309

    السٌّمعَة : 2957

    بلد العضو :

    العمر : 32

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضوhttp://taqnyiat.ahlamontada.com/
    تمت المشاركة في الأحد ديسمبر 04, 2016 7:43 pm
    جزاك الله خيرا
    وجعله بموازين حسناتك
    ابدعت بالطرح كالعادة
    مميز يعطيك العافية على الموضوع
    موضوع يستحق القراءة والتمعن
    دمت بخير
    التوقــيـــــــــــــــــــــع


    رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

    avatar
    عضو محترف
    الجنس : ذكر

    الاسد

    عدد المساهمات : 3784

    نقاط النشاط : 4266

    السٌّمعَة : 14

    بلد العضو :

    العمر : 22

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
    تمت المشاركة في الأحد فبراير 05, 2017 7:25 am
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ألف شكر لكَ على هذا الموضوع المميز و المعلومات القيمة
    إنـجاز أكثر رائــــــع
    لكن أرجو منكَ عدم التوقف عند هذا الحد
    مـنتظرين ابداعتــــــك
    دمتـ ودام تألقـك
    تحياتــي
    التوقــيـــــــــــــــــــــع

    رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

    avatar
    بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : انثى

    عدد المساهمات : 3148

    نقاط النشاط : 3876

    السٌّمعَة : 52

    بلد العضو :



    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
    تمت المشاركة في الخميس يوليو 06, 2017 8:40 am
    دائما متميز في الانتقاء
    سلمت على روعه طرحك
    نترقب المزيد من جديدك الرائع
    دمت ودام لنا روعه مواضيعك


    لكـ خالص احترامي

    رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

    avatar
    بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : ذكر

    الحمل

    عدد المساهمات : 14037

    نقاط النشاط : 16892

    السٌّمعَة : 81

    بلد العضو :

    العمر : 19

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
    تمت المشاركة في الخميس يوليو 06, 2017 11:37 am
    بارك الله فيك علي الموضوع الجميل
    شكرا لك وواصل تميزك
    تحياتي
    التوقــيـــــــــــــــــــــع


    رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

    avatar
    بصمة خالدة
  •  

  • الجنس : ذكر

    عدد المساهمات : 49310

    نقاط النشاط : 54350

    السٌّمعَة : 264

    بلد العضو :

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
    تمت المشاركة في السبت يوليو 08, 2017 4:54 pm
    - شكرا لك
    التوقــيـــــــــــــــــــــع

    رد: المؤمن بين الوجل والطمأنينة

    avatar
    عضو نشيط
    الجنس : ذكر

    عدد المساهمات : 478

    نقاط النشاط : 496

    السٌّمعَة : 1

    بلد العضو :

    معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
    تمت المشاركة في الخميس أغسطس 03, 2017 9:11 am
    أإسـ عٍ ـد الله أإأوٍقـآتَكُـ بكُـل خَ ـيرٍ دآإئمـاَ تَـبهَـرٍوٍنآآ بَمَ ـوٍآضيعكـ أإلتي تَفُـوٍح مِنهآ عَ ـطرٍ أإلآبدآع وٍأإلـتَمـيُزٍ لك الشكر من كل قلبي
    استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
    صلاحيات هذا المنتدى:
    لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
    Propellerads                                                                           Propellerads
    Top