شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي

القضاء والقدر

avatar
عضو التميز
الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7174

نقاط النشاط : 9546

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الثلاثاء مايو 05, 2015 6:23 pm
تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
لو نظرنا إلى مفهوم القضاء والقدر لرأينا الناس فيه على مذاهب شتى؛ فهناك الجبرية (الإنسان مجبور على فعله) وهناك القدرية (لا قدرَ والأمر أُنُف) وهناك أناس بين هؤلاء وهؤلاء يقولون أقوالا مختلفة.

ولعل ذلك الاختلاف يُعزى إلى عدة أسباب من أهمها دخول علم الكلام والفلسفة على المجتمع المسلم من الرومان والإغريق وكذلك محاولة بعض العلماء التقريب والاستفادة من علومهم الفلاسفة فوقع الخلط والابتعاد عن المفهوم الشرعي الصافي للقضاء والقدر وأفعال العباد وحكمة الخالق. ولست بصدد التفصيل كيف حصل ذلك ولكن سأهتم ها هنا بالنتيجة التي آل إليها الأمر وأسعى لإيجاد إجابات على الأسئلة التي كثيرا ما تطرح حول القضاء والقدر.

إن الحديث عن القضاء والقدر صار سببا لدى بعض الناس إما لتبرير تقصيرهم الديني أو الطعن في العدل الإلهي، وهذا أمر قديم جديد. أما قديم فلأنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد سرق وبرر فعله للخليفة عمر بأنه مجبر على السرقة بسبب أن الله كتب عليه ذلك، فما كان من عمر إلا أقام عليه حد السرقة. وأما جديدة فحيث يطعن البعض في الإسلام ويختلق الشبهات حوله من باب إثارة الشكوك حول مسائل القدر. وهنا أقدم محاولة متواضعة في تقديم الإجابة على الأمرين السابقين لما لهما من ثمرة وأهمية، وسيندرج الكلام على طريقة الرسائل المتالية.

إن الثمرة التي يجنيها الإنسان من إيمانه الصحيح بالقضاء والقدر هي الاستقامة على طريق واحد باطمئنان وبلا تردد، قال الدكتور عمر الأشقر: "العباد بما فيهم من قصور وضعف لا يستقيمون على منهج سواء: قال تعالى: "إن الإنسان خُلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير مَنوعا"، والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء، لا تبطره النعمه ولا تيئسه المصيبة.." القضاء والقدر 110

الرسالة الأولى: إنه لمن المتقرر عند جميع العقلانيين من الملحدين والمتشككين بأن من صنع الشيئ يعرف كُنهه وكيف سيكون ومتى سينتهي؛ فلماذا لا يكون من المتقرر لديهم كذلك بأن هناك ثمة خالق أوجد هذه الأشياء وبدأها أول مرة وهو عالم بما تكون عليه مع البيئة التي حولها ومتى نهايتها وكيف! إنه كيل بمكيالين وإلحاد مكسو بثوب العناد والاستكبار. "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ".

الرسالة الثانية: إن لله عز شأنه من الصفات العلا ما لا يماثله شيئ في هذه الأكوان المخلوقة، ولو أخذنا مثلا (العلم) فإنه من الملاحظ بأن الخالق والمخلوق يعلمان، ولكن ما الذي يجعل علم الخالق أفضل من علم المخلوق؟ إنه العلم السابق للشيئ والعلم بخفايا وحقائق الأمور. ومن هنا يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذكر فيه (خلقَ الله للقلم حيث خلقه وقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة..) فيبرز تميز اسمه (العليم) وعلو صفته (العلم) على سائر المخلوقات التي يخفى عليها ما وراء جُدُرهم.

الرسالة الثالثة: عندما كتب القلم مقادير الخلائق كما سبق وذكرنا في الحديث، هل أعلمهم الله الخلائق بما هو مكتوب لهم أو عليهم؟ الجواب: لا، ولكن منحهم عقلا وقوة وتشريعا ثم تركهم يستقبلون نتائج ما يفعلون هم بمرادهم الخاص دون أي تسيير لهم لشيء دون آخر.

فالعقل ينظر في الأمور بحرية مطلقة "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا"، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" فلا يستطيع الإنسان أن يحتج على تقصيره بتقدير الله لأنه لا يعلم ما قدر الله له ابتداء.

ولنضرب لذلك مثلا حوارا عقليا افتراضيا دار بين معلم وتلميذه (فلو أن تلميذا لم يدرك الامتحان مع زملائه فقام الأستاذ بعقد امتحان تعويضي له، واجتمع هو والطالب في الفصل لوحدهما، فقام الأستاذ بتسليم الطالب ورقة الأسئلة وأجلسه أمامه وفي يد المدرس دفتر العلامات فكتب فيه شيئا وأغلقه دون أن يُطلع الطالبَ عليه، فقام الطالب بعد برهة وسلم الورقة للأستاذ ولا يوجد إجابة واحدة على أي سؤال فيها، فسأله الأستاذ مستغربا: أين الإجابات! فقال: لم أجب، فاستغرب الأستاذ أكثر وسأله: لمَ؟ فقال: أنت كتبت نتيجتي في دفترك وأعرف أنك إن كتبت ناجح فسأنجح وإن لم أُجب وإن كتبت راسب فسأرسب وإن أجبت). 
انتهت قصة صديقنا الطالب، ولكن أسألكم أنتم أيها القراء الأعزاء من منا يبرر فعل ذلك الطالب؟ ما أشعر به هو أننا لا يمكن أن نسكت على أبنائنا لو فعلوا ذات الفعل وسنقول لهم اكتبوا ما تعرفون وبعدها لكل حادث حديث. وهكذا ينبغي أن نتعامل مع القدر.

ويورد الإمام ابن تيمية قصة دارت بين الإمامين أبي إسحاق الفزاري والأوزاعي حيث يقول: "قال الفزاري: جاءني الأوزاعي فقال: أتاني رجلان فسألاني عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما، قلت: رحمك الله أنت أولى بالجواب، قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال تكلما فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه حتى بلغ بنا وبهم أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقلت: يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا وإني أراكم قد خرجتم من البدعة على مثل ما خرجوا إليه، فقال الأوزاعي: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق". مجموع الفتاوى 8/103
وهكذا أيها القارئ العزيز ينبغي أن نتعامل مع قدر الله، فنحن لا نعلم ما كُتب لنا ولكننا نعلم ما أراد الله منا؛ فلماذا نشتغل بما لا علم لنا به ونُهمل ما خُلقنا لأجله! وكما يقال: "التعلق بالشك يضيع اليقين". الشك هنا أن الله كتب لي هذا أو ذاك، واليقين أنه طلب مني شرعا شيئا محددا، فإذا اشتغلت بالمشكوك فيه أضعتُ المقطوع به.

الرسالة الرابعة: قد يطرأ على بال بعض الناس التالي: "إن كان الخالق قد كتب علي فعل شيئ فإنه سوف يحاسبني عليه وإن لم أفعله، فلماذا يكلفني". ينبغي معرفة أن هذا الكلام غير صحيح بل إن هذا الأمر منافِ للحكمة الإلهية، إذ لو كان الله سيحاسب الناس بعلمه لما أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين؛ قال تعالى: "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل"، بل لما خلقهم أصلا، قال سبحانه: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"ن وقال عز شأنه: "وما كنا معذِبين حتى نبعث رسولا".
ومن أفضل ما يستشهد به في هذا السياق بعد كتاب الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يبين لنا بأن الله لا يحاسب الناس بعلمه بل بأعمالهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: " أربعة يحتجون يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئا والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرِم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها سُحب إليها". صحيح الجامع الصغير. 
ومما سبق نرى بأن الله تعالى لا يحاسب الناس إلا بما كسبت أيديهم، بل إن الله يعاملهم بالفضل؛ فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها ومن عمل سيئة فلا يجزى إلا بها إن لم يعف الله عنه أصلا، قال تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون" وقال: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفو عن كثير". فلا ينبغي لأي أحد أن يرمي القدر بالاتهام بعد معرفته صفات ربه الذاتية كالعلم، ولا صفاته الفعليه كالإحاطة ولا أسمائه كالحكَم التي من خلال التامل فيها يعلم ربه حق العلم، ولا ينبغي له أن يغفل الشعور الفطري الذي أودعه الله بداخله بأنه قادر على فعل ما يريد دون أن يشعر بأن شيئا يمنعه أو يدفعه إلا الوازع الحسن من جهة أو الشهواني من جهة أخرى.




ولعل آخر ما نلفت النظر إليه في هذه الفكرة هو قصة أبي لهب، ذلك الرجل الذي اعتدى على النبي صلى الله عليه وسلم وعادى أصحاب النبي وكل من آمن برسالته، حتى ذكره الله في بكلمات تبين علم الله بما سيؤول إليه حال أبي لهب حيث قال: تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب" وقد نزلت هذه الآيات في فترة حياة أبي لهب وسمعها بنفسه وكان بإمكانه أن يكذب النبي والقرآن وعلمَ الله ويعلن إسلامه في تلك اللحظة التي سمع فيها تلك الآيات، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث لأنه لم يختره ولو شعر بأن هذه الآيات تجبره على شيئ لصرح بذلك ولكن حاشا حكمة الله أن يُجبر الإنسانَ ثم يحاسبه على ما أجبره عليه. 

وأخيرا وليس آخرا فإن مسألة القضاء والقدر تحتاج إلى هدوء نفس وصفاء سريرة للتعامل معها كي يهنأ بحياة طيبة مستقرة، لأن مداخل الشيطان على الإنسان كثيرة ومن أبرزها الشبهات التي تشكك الإنسان بخالقه وحكمته. وتلك هي الوسيلة الأسرع لترك العبادة أو إضعاف الإيمان إلى حد خطير؛ قال الله تعالى على لسان إبليس: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين". لكن الأمل بالله كبير حيث عصم العباد المؤمنين من إغواء الشياطين حيث قال: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين". وفي النهاية أذكر الجميع بوصية الله تعالى للمؤمنين الذين يقعون فيما يشوش عليهم حياتهم ويكدر عليهم صفوهم حيث قال فيهم: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون". واعلموا أنك والقدر كالذي ينظر في المرآة فإنها تعكس نتيجة فعله فإن تبسم وجد نفسه متبسما وإن عبس وجد نفسه عابسا وهذه نتيجة فعله فلا يلومن المرآة. اللهم وفقنا لهداك واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا أن نشكرك فلا نكفُرك وصل اللهم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


رد: القضاء والقدر

بصمة خالدة
عدد المساهمات : 22801

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الأحد يوليو 10, 2016 10:36 am
دائما متميز في الانتقاء
سلمت على روعه طرحك 
نترقب المزيد من جديدك الرائع
دمت ودام لنا روعه مواضيعك
لكـ خالص احترامي

رد: القضاء والقدر

avatar
بصمة خالدة
الجنس : ذكر

السمك

عدد المساهمات : 11065

نقاط النشاط : 11882

السٌّمعَة : 70

بلد العضو :

العمر : 22

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الجمعة سبتمبر 30, 2016 3:19 am
شكرا لك على الطرح القيم
التوقــيـــــــــــــــــــــع

رد: القضاء والقدر

avatar
عضو محترف
الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 2207

نقاط النشاط : 2266

السٌّمعَة : 15

بلد العضو :

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الأحد أكتوبر 09, 2016 8:26 pm
بارك الله فيك علي الطرح القيم

رد: القضاء والقدر

avatar
عضو محترف
الجنس : ذكر

الاسد

عدد المساهمات : 3784

نقاط النشاط : 4266

السٌّمعَة : 14

بلد العضو :

العمر : 22

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تمت المشاركة في الجمعة فبراير 03, 2017 1:43 am
بارك الله فيك
التوقــيـــــــــــــــــــــع
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Propellerads                                                                           Propellerads