اوشام بربرية جميلة زنير

صفحة 2 من اصل 4 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 7:21 pm


تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

ثقوب في ذاكرة الزمن

قاسية هي الوحدة .. قاسية أبدا أبدا..الريح تولول في الخارج ، وتجلد النوافذ بسياط رملية عنيفة ..الوقت زوالا كان، شعرت برغبة في أن أكتب أي شيء ينتشلني من هذا الفراغ الرهيب ..قررت أن أرفع احتجاجي في وجه الصمت ولن انتظر نزول الوحي الذي قد لا يأتي:
صوبت نظري نحو المدفأة التي كانت ألسنة نارها تلتهم الحطب بشراهة وراقني لونها الشفقي الأحمر فرحت أتأملها بذهول قبل أن يتناهى إلى مسمعي وقع خطوات على السلم الخارجي ، ثم طرق خفيف على الباب سررت لهذه اليد التي امتدت لتنقدني من وحدتي ولو للحظات..
فتحت الباب بفرحة طفلة غرّيرة .. فانتصبت أمامي فتاة .. نظرت في عينها فتأكد لي من غير عناء أني ما رأيتها قبلا حتى وهي تدخل من غير كلفة وببساطة أفسحت لها الطريق نحو غرفة الاستقبال وأنا أقول مرحبة :
- يمكنك أن ترفعي عنك الحجاب، فليس هناك أحد غيري .
قالت وهي لا تلتفت نحوي :
- ومع ذلك أفضل أن أبقيه .
- أنت .. من أنت ؟..قولي ألم تخطئي الطريق إلي ، فأنا لا أعرفك
أجابت في عناد :
أبدا ..ألست جميلة ؟ أعرفك ..
غريب أنا ما رأيتك قبل الآن .
ربما تتعرفين علي إذا أنا رفعت الحجاب .
تأكدي من أنه لن يحدث ذلك .
هذا أفضل.
اعتدلت في جلستها وراحت ترفع عنها الحجاب بهدوء كبير،فأطل وجه صغير لطيف الملامح تناسب مع العينين اللتين كانتا تبدوان صغيرتين لتشع منهما عذوبة حالمة .
جئتني في يوم ممطر عاصف .. هل لأمر هام ؟
هام جدا في رأيي ، جئت لأسرد عليك قصة عذاب طويل مع الليل والعواصف لعلي أرتاح ، بودي لو يسمعها الناس عن طريقك .. لقد اخترت أن أهديها لقلمك .. ضاق بها صدري .. ضاق .. جئت لأتطهر بين يديك من ظلم الليل وعذاب العواصف .. فأنا لا أجد صدرا أسند إليه رأسي المثقل بالهموم وقد تعبت وسادتي من حمله كل ليلة.
قاطعتها قائلة :
وهل تعتقدين أن قصتك تصلح للكتابة والنشر؟
..................
لاذت بالصمت .. زرعت عينيها في عيني كمن يستكنه المجهول ، ثم عادت تسألني بصوت حزين :
ألم يحدث أن أحسست شعور فتاة تخطت سن الزواج تقلب طرفها في الرجال ، كل الرجال وهي تعلم أن لا أمل لها في الحصول على أحدهم؟!...
أ يائسة أنت إلى هذا الحد
وأكثر ..
الحقيقة ما شعرت .. فأنا سأتزوج عما قريب .
أخشى أن تكوني واهمة .
كيف ؟
لطالما خدعنا بهذه الكلمات(الحب، الزواج) وبعدها نكتشف ألا حب موجود ولا زواج آت . أنا الريفية الساذجة دخلت المدينة والأحلام القزحية تسكن صدري .. فإذا المدينة غابة كبيرة .. وأنا شجرة غضة تمتد إليها الأيادي وتعبث .. والزمن يتسلق أغصاني ويعبث .. ثم لاشيء سوى طعم الرماد ومرارة الذكرى .. ستضعين يدك على الجرح بنفسك ، وستطئين على الجمرة برجلك وستذهلين للمآسي المفجعة والحوادث الأليمة التي مرت بي ..
((في مزرعة جدي الواسعة ولدت ونشأت ، كان إسطبل الحيوانات يقع جانب البيت الكبير رأسا ، مما يجعل المرء يفطن لكل حركة غريبة تدب فيه .. وإن قلت هو حافل بالكثير من البهائم فهو أمر طبيعي في الريف، وخلف الإسطبل مخزن التموين يقع على رأس ربوة تجعله عرضة للشمس والهواء طوال السنة ، سقفه حبال تتدلى منها رؤوس الثوم والبصل، وبمحاذاة الجدران خوابي الزيت والسمن والعسل،أما باطن الأرض فقد طمر حبوبا . كل هذه الخيرات حصدتها قنابل العدو في ساعة واحدة لتجعلها رمادا، ولم ينج منها غير الحيوانات التي كانت قد أرسلت إلى الجبل قبل الحادثة بيوم . إذ أننا علمنا بإمكانية قدوم عساكر الاحتلال إلى الدشرة ، ولم يبق منها غير فرس وبقرة كان جدي يتألم وهو يسمع صهيل الفرس الموجع حين أحست خطر النار، ولم نخلصها إلا بعد أن كادت تهلك وسمح الجنود القساة بفك قيدها.
لقد نقل جدي الخبرإلينا في إحدى الليالي الباردة
-إن البرد قارص ولن يستطيعوا السير فوق الثلج المتراكم وقد نشأوا مدللين .
حرك جدي رأسه ومخايل ابتسامة ساخرة تحط فوق شفتيه ، ثم حول نظره إلى والدتي التي ظلت صامتة ولم تعلق بحرف واحد ، فهمت أنه يريد أن يستطلع رأيها ، لكنها لم تقل شيئا ، وما عساها تقول وهي المنكودة الحظ ، التي استقدمت من بلاد القبائل لوالدي ، ولكنه لم يسعد بها كثيرا ورملها في ريعان شبابها حين قضى مسموما بعد عودته من أحد الأعراس .
وعرفنا بعد أيام أن حملة الإبادة التي تعرضت لها المزرعة كان لها علاقة بالرجال الذين زارونا منذ أيام وحملوا معهم أكثر ما يحويه بيت المؤونة فالظاهر أن جدي كان يتعاون مع الثوار، الشيء الذي يفسر امتلاء البيت بمواد التموين أحيانا حتى يكاد يضيق بمحتوياته ، وفراغه في أحايين أخرى حتى تكاد تصفر فيه الريح . فقد وقع أحد الجنود جريحا في أيدي العساكر واعترف تحت وطأة التعذيب الوحشي ، وطوقت المزرعة ليلا ، وتسللوا إلى غرفة جدي في محاولة للقبض عليه ، ولكنهم لم يعثروا عليه رغم أنني شاهدته قبل أن أنام .. وكانت المرة الأولى التي أفطن فيها إلى أنه لا ينام في البيت . واستطاعوا القبض عليه بعد مدة واقتيد إلى المعتقل ليسلط عليه التعذيب.
ومرت الأيام بطيئة ثقيلة الوطء قبل أن نعلم نبأ هروبه من السجن على يد أحد الحراس الذي استيقظ فيه صوت الضمير ففتح الباب للمعتقلين والتحق بالثوار ، وكان لابد من اجتياز مراحل خطيرة أدت إلى استشهاد بعضهم .














بينما كنا محلقات حول الموقد ليلا ، صامتات نحدق في الحطب تلتهمه النيران ، وآذاننا مرهفة لالتقاط أية حركة والخوف يجثم فوق صدورنا بأظافره الباردة ، تناهت إلى سمعنا طلقات نارية متتالية رددت أصداءه الوهاد المحاذية .. لحظات بائسة ملحية الطعم مررنا بها قبل أن نسمع صوتا متألما مكتوما :
ضربت رجلي جدتي وقلت هامسة :
- أتسمعين ؟..
وفي نفس اللحظة طرق باب الكوخ الذي اختبأنا فيه .. تلاقت عيوننا مستفسرة في صمت ودهشة ، عيناي وعينا أختي "زهور" ووالدتيْ وجدتي .. تحركت شفاهنا تريد أن تنطق بكلمات انتحرت في الحناجر تكرر الطرق وراحت يد تعالج فتح الباب .. تحركت جدتي في هلع ، وقبل أن تصل إليها سمعنا هذا الصوت :
-افتحوا الباب يا إخوتي ..
- .....
-انقذوني فقد جرحت.
أجابت جدتي خائفة:
لن أفتح لك .. تجيئون في ثوب المسكنة والضعف فنطعمكم ونزيل أوساخكم ثم تبلغون عن تعاوننا مع الثوار .
فترجاها بصوت مبحوح :
افتحي.
لن أفتح لك بإمكانك الرحيل .. لقد أحرقت المزرعة ولم يبق لنا شيئ.
لست جائعا .. دمائي تنزف ..أعطني شربة ماء وأغلقي الباب.
وفتحته بهدوء لتطل بحذر ولكن الباب اندفع بقوة وتهاوى الجسد المنهوك ، نصفه الأعلى إلى الداخل والأسفل خارج الكوخ..التفتت مذعورة نحو والدتي وأختي ، فأسرعتا تفرشان جلد خروف وتحضران بعض الأغطية ..سحب الجسد الهامد وطرح على الفراش ، وراحت زهور تضع أذنها على صدره لتتسمع دقات قلبه الواهية قبل أن تقول :
- أوقدي القنديل لنرى ما يجب أن نفعل .
ورأيت على ضوئه خيطا من الدم يربط بين الباب والجسد الملقى أمامنا ..هوى قلبي بين ضلوعي وراح يدق بعنف وركبتاي المرتجفتان لا تتحملان جسدي من شدة الهلع .
أدفئ الماء وغسل الجرح وبقليل من القهوة غطي وشد عليه بقطعة من القماش.
طار النوم من عيوننا وأعناقنا لا تفتأ تشرئب إليه .. تمددنا هنا وهناك .. فكرت بزوجته .. بأطفاله..بأمه ..أين هم الآن ؟ وهو أقرب إلى الأموات منه إلى الأحياء..تململ الجسد فوق الفراش ومن صدره انبعث ما يشبه الأنين :
- القنبلة تحولت سنبلة ..وجه عقيلة تأكله النار..أسرع ..أسرع يا عمار ..هاتها .. هاتها..
وراح يغمغم بألفاظ أخرى بعضها يخرج من شفتيه وبعضها الآخر يظل حبيس صدره ، وسمعنا خوارا يشبه الأنين ، إنها البقرة المتبقية تحاول التخلص من القيد لتهرب من آلام المخاض ..رباه ، إنها تتألم كالإنسان تماما حتى ليخيل للسامع أن الدموع تنفر من عينيها انتصبت جدتي واقفة :
- البقرة يا زهور ..يا إلهي ، لم في مثل هذا الوقت بالذات ؟
وخرجت ..قمنا من جديد ..كان الفجر قد بدأ يرسل مواكب النور ليطرد أشباح الظلمات ، ويبدو أننا أحدثنا ضجة جعلت الجريح يستيقظ.. فتح عينيه .. نظر حوله مندهشا :
- أين أنا ؟ هل عاد الجنود ؟
أجابته أختي مهدئة :
- جرحت الليلة الماضية .
مسح على جبينه كمن يتذكر شيئا:
- ما هذا الصوت ؟
- إنه خوار البقرة.
- ولماذا هو بهذا الشكل ؟
- إنها بصدد الولادة.
- سأخرج لمساعدتكن.
- أنت لازلت متعبا .
شد رأسه بكلتا يديه..وضع أصبعيه على أذنيه :
إنني لا أطيق سماع هذا النحيب ..كنت أراها في نومي تمسح العرق بلسانها عن وجهي ، ولكن أجيبيني أين أنا؟
كانت جدتي قد عادت..
ولدت البقرة عجلا .
ثم نظرت نحو الجريح مهدئة :
- لا تخف يا ولدي أنت عندنا ..جرحك ليس عميقا ، ولكن كيف وصلت إلى هنا ؟
بدا كما لو استرجع كامل وعيه وبصوت مجهد قال:
- لقد علمت بإمكانية خروج العساكر للتمشيط ، لكنني ارتبت في المعلومات التي وصلت ، واعتقدت بعدم مجيئهم في هذا البرد القارص والثلوج تغطي الجبال والدروب.
- (معاند كجدتي ) همست زهور في أذني . وأكمل:
- لقد قال الرفاق في اجتماعنا الأخير أنهم سيهاجموننا الليلة في هذا المكان ، فلنغادره ما دمنا لم نتلق أمر الاشتباك معهم . فقلت مشككا :
- لن يجيئوا.. فقاطعني القائد :
- الخبر وصلنا من مصادر مطلعة ، تعال معنا أو ابق لتموت وحدك كالجرد في المخبإ.
كانت الثلوج تهطل بغزارة عند الأصيل فتغطي أحذيتهم الطويلة وهم ذاهبونرحلوا مخلفين وراءهم صدى نشيدهم الذي راحت تردده الجبال معهم:
من جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا لاستقلال وطنينا تضحياتنا للوطن خير من الحياة أضحي بحياتي وبمالي عليك
يا بلادي يا بلادي ...
وقفت أرقبهم إلى أن غيبتهم الأحراش عن نظري. . لكن مقولة القائد بقي صداها يتردد في أذني :
- تعال معنا أو ستموت وحدك كالجرذ .
عصف بكياني إحساس قاهر وتملكني شعور بالانعزال الشديد .. حتى الساعة لا أدري لماذا رفضت مصاحبتهم وترددت في اللحاق بهم ؟ من يدري ماذا قالوا عني ؟ ربما شككوا في وطنيتي . المهم أصررت على البقاء وتمنيت لو أن العساكر يهاجمونني ، وعندها سأظهر لهم ثوريتي حين أدافع دفاع الأبطال ولن أموت كالجرذ ، طأطأت رأسي ودخلت المخبأ.. بعد ساعتين من الزمن سمعت وقع أقدام تتحطم تحتها قطع الثلج .. ميزتها رغم أن المطر لم يكف عن الهطول وتساءلت:
ما الذي يحدث في الخارج ؟ هل أعادتهم كثافة الثلوج أم فيضان الوادي ؟
ورحت أعالج فتح الباب ، وأي باب هو باب المخبأ ؟ إنه ليس سوى جذع شجرة مهتريء ، انطلقت منه خشخشة إذ رميته على الأرض . وسكنت حركة الأقدام .. وانطلقت باتجاهي رصاصات.. انبطحت أرضا حين تأكد لي أن العساكر هم الذين قدموا وليس المجاهدون.. أطلقت النار بدوري وأنا أقول :
لن أموت كالجرذ .. سأموت موت الأبطال.
دفعت الجذع بقوة لأوهمهم بسقوطي وتسللت بين الأشجار ورحت أزحف على بطني فوق الثلج ، نزعت الساعة وألقيتها حتى لا يأخذوها إن قبضوا علي ، أخرجت القنبلة الأخيرة .. مسكتها في يدي :
- لن تقبضوا علي إلا ميتا .
والظاهر أنهم أهملوني وحاصروا المخبإ الذي توهموه مكتظا بالجنود . لقد انخدعوا بطلقاتي الأولى التي وزعتها في كل اتجاه . وكانت الأمطار قد كفت عن التساقط حين بدأت أحس بثقل في رجلي ولم أفطن للدم الذي كان يسيل من الجرح غزيرا .. ظللت أزحف .. أزحف والطلقات تبتعد عني إلى أن وصلت إلى هذا الكوخ.










أشرقت الشمس على الروابي والحقول الندية فمنحتها سحرا بديعا ، وانعكست أشعتها فوق قمم الجبال البيضاء فازداد بريقها حدة ولمعانا .. خرجنا نطلب الانتعاش بدفئها الذي غيبته الثلوج والعواصف أياما طوالا .. كنت أركض وراء العجل الصغير الذي ولدته البقرة ليلة أمس .. إذ نشط هو الآخر بتأثير الدفء وبدأ يقفز هنا وهناك في مرح لا يخلو من سحر وجمال .. طفقت ألاطفه وأمسح برؤوس أناملي فوق شعره الناعم فيستسلم في دعة واطمئنان .. فجأة سمعنا الراعي ينادي من أعلى الربوة المجاورة محذرا من قافلة المظليين التي كانت تزحف في اتجاه الدشرة غير بعيد . نهضت جدتي من تحت البقرة التي كانت تحلبها وقالت بلهجة حازمة :
- يجب أن نهرب حالا .. سينكلون بالجريح إن عثروا عليه هنا وقد يقتلوننا جميعا.
بدأنا نجمع ما رأينا ضرورة لجمعه في مثل هذه الظروف التي اعتدنا عليها .. كان التفكير في أمر البقرة والعجل مشكلة عويصة فنحن أحوج إلى الزاد منا إلى حمل العجل ، لذلك قررنا تركهما على مضض ، ثم أن الجندي الجريح يحتاج هو الآخر إلى المساعدة . أضافت جدتي آمرة : - انطلقا مع الجندي أنت وأختك من هنا تحت أشجار الزيتون فورا وسألحق وأمكما بعد أن نجمع ما نقدر على حمله من الزاد والأغطية .
فرحت بهذه المهمة التي أسندت إلي ، فقد شعرت بعاطفة عارمة تشدني إلى هذا الجريح المسمى"حمادي" طوق كتفينا بذراعيه وانحنى علينا يجر رجله الجريحة في صمت واحتمال .. شعرت بدفء ذراعه يجتاح عنقي سرنا في درب قليلا ما يوطأ ولذلك نبتت على حافتيه أعشاب برية كادت تغطينا .. كان الجندي أطول منا بكثير، الشيء الذي جعله يبصر أحد الجنود أمامنا .. أذهلته المفاجأة ولم يقل شيئا بل شعرت به ينفعل .. مددت رأسي إلى أعلى لأرى ما يرتسم على وجهه .. توقف عن السير وراح يدقق النظر فيما يرى.. فتح فمه من الدهشة واندفع هاتفا :
- علي ، ما الذي أتى بك إلى هنا ؟
وأقبل الآخر نحوه بنفس اللهفة يزيح بيده الأعشاب الكثيفة التي فصلت بينهما :
حمادي أيها العزيز، أمازلت حيا ، حسبناك استشهدت بعد الطلقات الكثيرة التي سمعناها.
كالجرذ في المخبأ ، لا ، لن أحقق نبوءة القائد هذه المرة.
أ رأيت ، ستهاجم المنطقة من جديد ، هل أساعدك.
لا ، ورائي بعض النسوة .. ساعدوهن على عبور منطقة الخطر فالعساكر قادمون.
استشهد رفيقان لنا خلال الطريق حين تشابكنا مع دورية وقضينا على بعض عساكرها ، لكن الرجلين اللذين فقدنا ، كانت خسارتنا فيهما فادحة.
من هما؟
الصادق وعمار.
ظهرت على وجه حمادي سحابة حزن حسبت أنها لن تزول أبدا ولكن سحنته تبدلت بعد لحظات من الوجوم وعاد معتدلا شامخا كما كان .. وصلنا منطقة الأمان .. كانت أجسادنا تنضح بالعناء والعرق .. عيوننا كلها ترقب وحذر .. ظللنا لوقت طويل نسمع طلقات النار التي سيعقبها دون شك قدوم الطائرات المقنبلة التي سوف لن تبقي على أخضر ويابس بما تفرغه من حمولات الدمار .. وجاء جدي بعد حين يمسك بيده صبيا أشعث الشعر مصفر الوجه رث الثياب .. اندفعت نحوه أعدو وطوقته :
- جدي .. أواه يا جدي ، أمازلت حيا بعد كل ما حصل؟.
- ماذا ؟ أتحسبين جدك يموت قبل أن تغادر فرنسا أرضنا ؟
لم يلبث أن تركني وانفرد بوالدتي وجدتي .. حدثهما في أمر مهم ، رأيت بعدها والدتي تمسح دموعها بينما راحت جدتي تتساءل :
- كيف تعيش هنا ؟ كيف ؟
قاطعها جدي بحزم :
- كما يعيش بقية الناس .
ثم التفت إلى والدتي التي كانت لا تزال تجفف دموعها وقال :
- لا تخافي عليها سأرعاها بنفسي ، أعرف أنها صغيرة وأننا نحملها فوق طاقتها ومع ذلك لا مفر من هذا ، فعبث العساكر ليس له حد غدا ستكبر وتدرك أننا أردنا مصلحتها..
فرشنا على الأرض ما جمعناه من خرق ، واستلقينا للنوم في كوخ متهالك قادنا جدي إليه . كان خاليا من أي شيء عدا منضدة عليها أوراق وأقلام وجهاز لست أعرفه .
كانت تتطاحن في ذهني أفكار شتى وبجانبي ترقد "زهور" رفعت الغطاء عن وجهها إلى أن لفحتني أنفاسها الدافئة، وطبعت على خدها قبلة هادئة فإذا بها تجهش بالبكاء .
- ألم تنامي بعد ؟
أجابت والحزن يقطر من صوتها :
نعم ، ولعدة ليال .
أكنت تعلمين قبل اليوم ؟
نعم..
ولم لم تخبريني ؟
وماذا كنت ستفعلين ؟
فأنت راحلة إذن ؟
أنتن اللواتي سترحلن .
هكذا تزوجت "زهور" وببساطة ومن غير مراسيم ولا حفل .. كنا حزانى كلنا ، حتى جدي الذي استبقاها معه أحس الألم الذي بدا على وجوهنا .. كان الفراغ الذي تركته في نفسي كبيرا .. وغصة في حلقي تمنعني حتى عن ازدراد ريقي .. فجأة شعرت بشيء ينزاح عن صدري إذ وجدت الدموع سبيلا للانهمار من عيني فرحت أتصفح أيامنا الخوالي وأنبش خارطة الذكريات .. ذكرياتي معها.
يا ما انحدرنا معا فوق الروابي وصعدنا ..
ويا ما قطعنا من مسافات في الحقول تلاحقنا الكلاب..
ويا ما تسلقنا من أشجار وقطفنا من أزهار .. فمن هذا الذي تجرأ وأخذ "زهور" مني ؟
من سلبني إياها ، وأي قرار هو قرارك يا جدي ؟
وفي الصباح إذ أزمعنا على الرحيل توقفت عن السير معاندة :
- لن أتحرك من هنا قبل أن تصحبني "زهور" .
صرخت والدتي :
- "زهور" تزوجت ، يجب أن تفهمي ، إلى متى ستبقى معك ؟
وسرت والدموع تطفح من عيني ..
كيف تتزوج أختي من رجل غير موجود ؟
كيف تنتظر عودته من مهمته بدل أن يكون هو المنتظر؟
ومن قال أنه سيعود ؟
مررنا بالمزرعة فالتقطنا بعض الأشياء التي سلمت من ألسنة النار وعبث العساكر ، ورحنا ننحدر صوب المدينة .. كنت أحمل الصبي الذي سلمه لنا جدي قائلا :
- قتل والداه أثناء غارة جوية ولا نعرف له قريبا هنا ، سنطلبه إذا وجدنا من يسأل عنه يوما ما .
كنت حافية وإياه ، الأشواك والحجارة لا ترحم وكذلك الحفر .. وصلنا البيت الذي سنسكنه قبل حلول الظلام بقليل .. الحارة ضيقة وكل جديد فيها يثير الانتباه .. خرجت نسوة الحي .. وكان الأطفال قبل ذلك قد تركوا ألعابهم وتجمهروا حولنا مستطلعين .
عند منصف الليل بالتقريب وأنا أقلب عيني الأرقتين في سقف الحجرة الذي لا أراه.. إذ بأضواء كاشفة تتسلل من خصاص النافذة إلى الداخل وتبدد الظلام الجاثم فجأة .. سقط قلبي بين أحشائي فدفعت والدتي بقوة:
- أتسمعين أترين ؟
أجابت بصوت مبحوح :
- لاحقونا إلى هنا .. يا إلهي .
بيدي الأخرى دفعت جدتي التي ترقد بجواري وهمست :
جدتي إنهم العساكر
وكان أحدهم قد وصل باب الغرفة فقال بلهجة آمرة :
- انهضوا جميعا .
نهضنا نتعثر في أسمالنا البالية ، وكان الطرق عنيفا على الباب الخارجي فسمعت والدتي التي ظلت مستلقية تقول :
لماذا لا يفتحون الباب لرفاقهم ؟
دفع أحدهم قريبنا بعنف وقال مزمجرا بحقد :
افتح لضيوفكم الباب .
اكتملت الفرقة أخيرا بالذين قفزوا من أعلى السور والذين دخلوا من الباب .. كانت الوجوه نفس الوجوه ، المكان فقط هو الذي تغير .. حتى كلابهم أحسبها هي..هي.. بأحزمتها الجلدية وأنوفها السوداء .. وفجأة وجدناهم ينسحبون قائلين:
يمكنكم العودة إلى جحوركم .
لقد اعتقلوا ابن الجيران قال قريبنا .
دخلنا عن طريق الحديقة نواسيهم فاستغربنا كون أمه ما علمت حتى تلك اللحظة أنه اعتقل .. فلقد كانت تردد طوال الوقت وأسنانها تصطك هلعا وبردا :
لم أتوا يا إلهي ، لم أتوا ؟


انزل اسفل لتكملت باقي الرواية







MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف Rsmtek B8Lbi في الخميس أغسطس 28, 2014 3:19 pm


يعطيككَ العآفيةةَ #!


Rsmtek B8Lbi
عضو خبير
عضو خبير

عدد المساهمات : 1261


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف اسير الماضي في الخميس أغسطس 28, 2014 5:20 pm


اسير الماضي
عضو محترف
عضو محترف

الجنس : ذكر

الميزان

عدد المساهمات : 2791

نقاط النشاط : 3454

السٌّمعَة : 3

بلد العضو :

العمر : 21


http://www.ben7sharabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف زائر في الخميس أغسطس 28, 2014 6:25 pm


شكرا لك


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الخميس أغسطس 28, 2014 7:40 pm


شكرا للكل على المشاركة


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف Dr.Tarek في السبت أغسطس 30, 2014 1:49 am


Dr.Tarek
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

الدلو

عدد المساهمات : 8305

نقاط النشاط : 9196

السٌّمعَة : 46

بلد العضو :

العمر : 17


http://islamy4u.forumslife.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف BeN.ShArAbi في الأحد أغسطس 31, 2014 1:43 am


مرحبا.. موضوع رائع
شكرا على الطرح المميز
دمت بخير





BeN.ShArAbi
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

القوس

عدد المساهمات : 59996

نقاط النشاط : 66579

السٌّمعَة : 884

بلد العضو :

العمر : 19


http://www.ben7sharabi.com/forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء سبتمبر 02, 2014 10:23 pm


شـKـرا لـkـم على الاTلالة


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف ونناسهه في الثلاثاء سبتمبر 09, 2014 9:48 pm


ونناسهه
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : انثى

عدد المساهمات : 25001

نقاط النشاط : 27401

السٌّمعَة : 325

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء سبتمبر 09, 2014 10:24 pm


جزاك الجنة اختي اتمنى تكونوا قراتوها جميعا


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف Al-SHAM5 في الخميس سبتمبر 11, 2014 11:55 pm


Al-SHAM5
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

نقاط التفاعل : 3 نقاط

عدد المساهمات : 91813

نقاط النشاط : 101609

السٌّمعَة : 696

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف 1M ThE BesT في الجمعة سبتمبر 12, 2014 5:02 pm


1M ThE BesT
مؤسس الابداع العربي

مؤسس الابداع العربي

الجنس : ذكر

الدلو

عدد المساهمات : 25052

نقاط النشاط : 27783

السٌّمعَة : 304

بلد العضو :

العمر : 20


http://jalil.assassino

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 4 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتدي الابداع العربي فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى