اوشام بربرية جميلة زنير

صفحة 1 من اصل 4 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 7:21 pm


ثقوب في ذاكرة الزمن

قاسية هي الوحدة .. قاسية أبدا أبدا..الريح تولول في الخارج ، وتجلد النوافذ بسياط رملية عنيفة ..الوقت زوالا كان، شعرت برغبة في أن أكتب أي شيء ينتشلني من هذا الفراغ الرهيب ..قررت أن أرفع احتجاجي في وجه الصمت ولن انتظر نزول الوحي الذي قد لا يأتي:
صوبت نظري نحو المدفأة التي كانت ألسنة نارها تلتهم الحطب بشراهة وراقني لونها الشفقي الأحمر فرحت أتأملها بذهول قبل أن يتناهى إلى مسمعي وقع خطوات على السلم الخارجي ، ثم طرق خفيف على الباب سررت لهذه اليد التي امتدت لتنقدني من وحدتي ولو للحظات..
فتحت الباب بفرحة طفلة غرّيرة .. فانتصبت أمامي فتاة .. نظرت في عينها فتأكد لي من غير عناء أني ما رأيتها قبلا حتى وهي تدخل من غير كلفة وببساطة أفسحت لها الطريق نحو غرفة الاستقبال وأنا أقول مرحبة :
- يمكنك أن ترفعي عنك الحجاب، فليس هناك أحد غيري .
قالت وهي لا تلتفت نحوي :
- ومع ذلك أفضل أن أبقيه .
- أنت .. من أنت ؟..قولي ألم تخطئي الطريق إلي ، فأنا لا أعرفك
أجابت في عناد :
أبدا ..ألست جميلة ؟ أعرفك ..
غريب أنا ما رأيتك قبل الآن .
ربما تتعرفين علي إذا أنا رفعت الحجاب .
تأكدي من أنه لن يحدث ذلك .
هذا أفضل.
اعتدلت في جلستها وراحت ترفع عنها الحجاب بهدوء كبير،فأطل وجه صغير لطيف الملامح تناسب مع العينين اللتين كانتا تبدوان صغيرتين لتشع منهما عذوبة حالمة .
جئتني في يوم ممطر عاصف .. هل لأمر هام ؟
هام جدا في رأيي ، جئت لأسرد عليك قصة عذاب طويل مع الليل والعواصف لعلي أرتاح ، بودي لو يسمعها الناس عن طريقك .. لقد اخترت أن أهديها لقلمك .. ضاق بها صدري .. ضاق .. جئت لأتطهر بين يديك من ظلم الليل وعذاب العواصف .. فأنا لا أجد صدرا أسند إليه رأسي المثقل بالهموم وقد تعبت وسادتي من حمله كل ليلة.
قاطعتها قائلة :
وهل تعتقدين أن قصتك تصلح للكتابة والنشر؟
..................
لاذت بالصمت .. زرعت عينيها في عيني كمن يستكنه المجهول ، ثم عادت تسألني بصوت حزين :
ألم يحدث أن أحسست شعور فتاة تخطت سن الزواج تقلب طرفها في الرجال ، كل الرجال وهي تعلم أن لا أمل لها في الحصول على أحدهم؟!...
أ يائسة أنت إلى هذا الحد
وأكثر ..
الحقيقة ما شعرت .. فأنا سأتزوج عما قريب .
أخشى أن تكوني واهمة .
كيف ؟
لطالما خدعنا بهذه الكلمات(الحب، الزواج) وبعدها نكتشف ألا حب موجود ولا زواج آت . أنا الريفية الساذجة دخلت المدينة والأحلام القزحية تسكن صدري .. فإذا المدينة غابة كبيرة .. وأنا شجرة غضة تمتد إليها الأيادي وتعبث .. والزمن يتسلق أغصاني ويعبث .. ثم لاشيء سوى طعم الرماد ومرارة الذكرى .. ستضعين يدك على الجرح بنفسك ، وستطئين على الجمرة برجلك وستذهلين للمآسي المفجعة والحوادث الأليمة التي مرت بي ..
((في مزرعة جدي الواسعة ولدت ونشأت ، كان إسطبل الحيوانات يقع جانب البيت الكبير رأسا ، مما يجعل المرء يفطن لكل حركة غريبة تدب فيه .. وإن قلت هو حافل بالكثير من البهائم فهو أمر طبيعي في الريف، وخلف الإسطبل مخزن التموين يقع على رأس ربوة تجعله عرضة للشمس والهواء طوال السنة ، سقفه حبال تتدلى منها رؤوس الثوم والبصل، وبمحاذاة الجدران خوابي الزيت والسمن والعسل،أما باطن الأرض فقد طمر حبوبا . كل هذه الخيرات حصدتها قنابل العدو في ساعة واحدة لتجعلها رمادا، ولم ينج منها غير الحيوانات التي كانت قد أرسلت إلى الجبل قبل الحادثة بيوم . إذ أننا علمنا بإمكانية قدوم عساكر الاحتلال إلى الدشرة ، ولم يبق منها غير فرس وبقرة كان جدي يتألم وهو يسمع صهيل الفرس الموجع حين أحست خطر النار، ولم نخلصها إلا بعد أن كادت تهلك وسمح الجنود القساة بفك قيدها.
لقد نقل جدي الخبرإلينا في إحدى الليالي الباردة
-إن البرد قارص ولن يستطيعوا السير فوق الثلج المتراكم وقد نشأوا مدللين .
حرك جدي رأسه ومخايل ابتسامة ساخرة تحط فوق شفتيه ، ثم حول نظره إلى والدتي التي ظلت صامتة ولم تعلق بحرف واحد ، فهمت أنه يريد أن يستطلع رأيها ، لكنها لم تقل شيئا ، وما عساها تقول وهي المنكودة الحظ ، التي استقدمت من بلاد القبائل لوالدي ، ولكنه لم يسعد بها كثيرا ورملها في ريعان شبابها حين قضى مسموما بعد عودته من أحد الأعراس .
وعرفنا بعد أيام أن حملة الإبادة التي تعرضت لها المزرعة كان لها علاقة بالرجال الذين زارونا منذ أيام وحملوا معهم أكثر ما يحويه بيت المؤونة فالظاهر أن جدي كان يتعاون مع الثوار، الشيء الذي يفسر امتلاء البيت بمواد التموين أحيانا حتى يكاد يضيق بمحتوياته ، وفراغه في أحايين أخرى حتى تكاد تصفر فيه الريح . فقد وقع أحد الجنود جريحا في أيدي العساكر واعترف تحت وطأة التعذيب الوحشي ، وطوقت المزرعة ليلا ، وتسللوا إلى غرفة جدي في محاولة للقبض عليه ، ولكنهم لم يعثروا عليه رغم أنني شاهدته قبل أن أنام .. وكانت المرة الأولى التي أفطن فيها إلى أنه لا ينام في البيت . واستطاعوا القبض عليه بعد مدة واقتيد إلى المعتقل ليسلط عليه التعذيب.
ومرت الأيام بطيئة ثقيلة الوطء قبل أن نعلم نبأ هروبه من السجن على يد أحد الحراس الذي استيقظ فيه صوت الضمير ففتح الباب للمعتقلين والتحق بالثوار ، وكان لابد من اجتياز مراحل خطيرة أدت إلى استشهاد بعضهم .














بينما كنا محلقات حول الموقد ليلا ، صامتات نحدق في الحطب تلتهمه النيران ، وآذاننا مرهفة لالتقاط أية حركة والخوف يجثم فوق صدورنا بأظافره الباردة ، تناهت إلى سمعنا طلقات نارية متتالية رددت أصداءه الوهاد المحاذية .. لحظات بائسة ملحية الطعم مررنا بها قبل أن نسمع صوتا متألما مكتوما :
ضربت رجلي جدتي وقلت هامسة :
- أتسمعين ؟..
وفي نفس اللحظة طرق باب الكوخ الذي اختبأنا فيه .. تلاقت عيوننا مستفسرة في صمت ودهشة ، عيناي وعينا أختي "زهور" ووالدتيْ وجدتي .. تحركت شفاهنا تريد أن تنطق بكلمات انتحرت في الحناجر تكرر الطرق وراحت يد تعالج فتح الباب .. تحركت جدتي في هلع ، وقبل أن تصل إليها سمعنا هذا الصوت :
-افتحوا الباب يا إخوتي ..
- .....
-انقذوني فقد جرحت.
أجابت جدتي خائفة:
لن أفتح لك .. تجيئون في ثوب المسكنة والضعف فنطعمكم ونزيل أوساخكم ثم تبلغون عن تعاوننا مع الثوار .
فترجاها بصوت مبحوح :
افتحي.
لن أفتح لك بإمكانك الرحيل .. لقد أحرقت المزرعة ولم يبق لنا شيئ.
لست جائعا .. دمائي تنزف ..أعطني شربة ماء وأغلقي الباب.
وفتحته بهدوء لتطل بحذر ولكن الباب اندفع بقوة وتهاوى الجسد المنهوك ، نصفه الأعلى إلى الداخل والأسفل خارج الكوخ..التفتت مذعورة نحو والدتي وأختي ، فأسرعتا تفرشان جلد خروف وتحضران بعض الأغطية ..سحب الجسد الهامد وطرح على الفراش ، وراحت زهور تضع أذنها على صدره لتتسمع دقات قلبه الواهية قبل أن تقول :
- أوقدي القنديل لنرى ما يجب أن نفعل .
ورأيت على ضوئه خيطا من الدم يربط بين الباب والجسد الملقى أمامنا ..هوى قلبي بين ضلوعي وراح يدق بعنف وركبتاي المرتجفتان لا تتحملان جسدي من شدة الهلع .
أدفئ الماء وغسل الجرح وبقليل من القهوة غطي وشد عليه بقطعة من القماش.
طار النوم من عيوننا وأعناقنا لا تفتأ تشرئب إليه .. تمددنا هنا وهناك .. فكرت بزوجته .. بأطفاله..بأمه ..أين هم الآن ؟ وهو أقرب إلى الأموات منه إلى الأحياء..تململ الجسد فوق الفراش ومن صدره انبعث ما يشبه الأنين :
- القنبلة تحولت سنبلة ..وجه عقيلة تأكله النار..أسرع ..أسرع يا عمار ..هاتها .. هاتها..
وراح يغمغم بألفاظ أخرى بعضها يخرج من شفتيه وبعضها الآخر يظل حبيس صدره ، وسمعنا خوارا يشبه الأنين ، إنها البقرة المتبقية تحاول التخلص من القيد لتهرب من آلام المخاض ..رباه ، إنها تتألم كالإنسان تماما حتى ليخيل للسامع أن الدموع تنفر من عينيها انتصبت جدتي واقفة :
- البقرة يا زهور ..يا إلهي ، لم في مثل هذا الوقت بالذات ؟
وخرجت ..قمنا من جديد ..كان الفجر قد بدأ يرسل مواكب النور ليطرد أشباح الظلمات ، ويبدو أننا أحدثنا ضجة جعلت الجريح يستيقظ.. فتح عينيه .. نظر حوله مندهشا :
- أين أنا ؟ هل عاد الجنود ؟
أجابته أختي مهدئة :
- جرحت الليلة الماضية .
مسح على جبينه كمن يتذكر شيئا:
- ما هذا الصوت ؟
- إنه خوار البقرة.
- ولماذا هو بهذا الشكل ؟
- إنها بصدد الولادة.
- سأخرج لمساعدتكن.
- أنت لازلت متعبا .
شد رأسه بكلتا يديه..وضع أصبعيه على أذنيه :
إنني لا أطيق سماع هذا النحيب ..كنت أراها في نومي تمسح العرق بلسانها عن وجهي ، ولكن أجيبيني أين أنا؟
كانت جدتي قد عادت..
ولدت البقرة عجلا .
ثم نظرت نحو الجريح مهدئة :
- لا تخف يا ولدي أنت عندنا ..جرحك ليس عميقا ، ولكن كيف وصلت إلى هنا ؟
بدا كما لو استرجع كامل وعيه وبصوت مجهد قال:
- لقد علمت بإمكانية خروج العساكر للتمشيط ، لكنني ارتبت في المعلومات التي وصلت ، واعتقدت بعدم مجيئهم في هذا البرد القارص والثلوج تغطي الجبال والدروب.
- (معاند كجدتي ) همست زهور في أذني . وأكمل:
- لقد قال الرفاق في اجتماعنا الأخير أنهم سيهاجموننا الليلة في هذا المكان ، فلنغادره ما دمنا لم نتلق أمر الاشتباك معهم . فقلت مشككا :
- لن يجيئوا.. فقاطعني القائد :
- الخبر وصلنا من مصادر مطلعة ، تعال معنا أو ابق لتموت وحدك كالجرد في المخبإ.
كانت الثلوج تهطل بغزارة عند الأصيل فتغطي أحذيتهم الطويلة وهم ذاهبونرحلوا مخلفين وراءهم صدى نشيدهم الذي راحت تردده الجبال معهم:
من جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا لاستقلال وطنينا تضحياتنا للوطن خير من الحياة أضحي بحياتي وبمالي عليك
يا بلادي يا بلادي ...
وقفت أرقبهم إلى أن غيبتهم الأحراش عن نظري. . لكن مقولة القائد بقي صداها يتردد في أذني :
- تعال معنا أو ستموت وحدك كالجرذ .
عصف بكياني إحساس قاهر وتملكني شعور بالانعزال الشديد .. حتى الساعة لا أدري لماذا رفضت مصاحبتهم وترددت في اللحاق بهم ؟ من يدري ماذا قالوا عني ؟ ربما شككوا في وطنيتي . المهم أصررت على البقاء وتمنيت لو أن العساكر يهاجمونني ، وعندها سأظهر لهم ثوريتي حين أدافع دفاع الأبطال ولن أموت كالجرذ ، طأطأت رأسي ودخلت المخبأ.. بعد ساعتين من الزمن سمعت وقع أقدام تتحطم تحتها قطع الثلج .. ميزتها رغم أن المطر لم يكف عن الهطول وتساءلت:
ما الذي يحدث في الخارج ؟ هل أعادتهم كثافة الثلوج أم فيضان الوادي ؟
ورحت أعالج فتح الباب ، وأي باب هو باب المخبأ ؟ إنه ليس سوى جذع شجرة مهتريء ، انطلقت منه خشخشة إذ رميته على الأرض . وسكنت حركة الأقدام .. وانطلقت باتجاهي رصاصات.. انبطحت أرضا حين تأكد لي أن العساكر هم الذين قدموا وليس المجاهدون.. أطلقت النار بدوري وأنا أقول :
لن أموت كالجرذ .. سأموت موت الأبطال.
دفعت الجذع بقوة لأوهمهم بسقوطي وتسللت بين الأشجار ورحت أزحف على بطني فوق الثلج ، نزعت الساعة وألقيتها حتى لا يأخذوها إن قبضوا علي ، أخرجت القنبلة الأخيرة .. مسكتها في يدي :
- لن تقبضوا علي إلا ميتا .
والظاهر أنهم أهملوني وحاصروا المخبإ الذي توهموه مكتظا بالجنود . لقد انخدعوا بطلقاتي الأولى التي وزعتها في كل اتجاه . وكانت الأمطار قد كفت عن التساقط حين بدأت أحس بثقل في رجلي ولم أفطن للدم الذي كان يسيل من الجرح غزيرا .. ظللت أزحف .. أزحف والطلقات تبتعد عني إلى أن وصلت إلى هذا الكوخ.










أشرقت الشمس على الروابي والحقول الندية فمنحتها سحرا بديعا ، وانعكست أشعتها فوق قمم الجبال البيضاء فازداد بريقها حدة ولمعانا .. خرجنا نطلب الانتعاش بدفئها الذي غيبته الثلوج والعواصف أياما طوالا .. كنت أركض وراء العجل الصغير الذي ولدته البقرة ليلة أمس .. إذ نشط هو الآخر بتأثير الدفء وبدأ يقفز هنا وهناك في مرح لا يخلو من سحر وجمال .. طفقت ألاطفه وأمسح برؤوس أناملي فوق شعره الناعم فيستسلم في دعة واطمئنان .. فجأة سمعنا الراعي ينادي من أعلى الربوة المجاورة محذرا من قافلة المظليين التي كانت تزحف في اتجاه الدشرة غير بعيد . نهضت جدتي من تحت البقرة التي كانت تحلبها وقالت بلهجة حازمة :
- يجب أن نهرب حالا .. سينكلون بالجريح إن عثروا عليه هنا وقد يقتلوننا جميعا.
بدأنا نجمع ما رأينا ضرورة لجمعه في مثل هذه الظروف التي اعتدنا عليها .. كان التفكير في أمر البقرة والعجل مشكلة عويصة فنحن أحوج إلى الزاد منا إلى حمل العجل ، لذلك قررنا تركهما على مضض ، ثم أن الجندي الجريح يحتاج هو الآخر إلى المساعدة . أضافت جدتي آمرة : - انطلقا مع الجندي أنت وأختك من هنا تحت أشجار الزيتون فورا وسألحق وأمكما بعد أن نجمع ما نقدر على حمله من الزاد والأغطية .
فرحت بهذه المهمة التي أسندت إلي ، فقد شعرت بعاطفة عارمة تشدني إلى هذا الجريح المسمى"حمادي" طوق كتفينا بذراعيه وانحنى علينا يجر رجله الجريحة في صمت واحتمال .. شعرت بدفء ذراعه يجتاح عنقي سرنا في درب قليلا ما يوطأ ولذلك نبتت على حافتيه أعشاب برية كادت تغطينا .. كان الجندي أطول منا بكثير، الشيء الذي جعله يبصر أحد الجنود أمامنا .. أذهلته المفاجأة ولم يقل شيئا بل شعرت به ينفعل .. مددت رأسي إلى أعلى لأرى ما يرتسم على وجهه .. توقف عن السير وراح يدقق النظر فيما يرى.. فتح فمه من الدهشة واندفع هاتفا :
- علي ، ما الذي أتى بك إلى هنا ؟
وأقبل الآخر نحوه بنفس اللهفة يزيح بيده الأعشاب الكثيفة التي فصلت بينهما :
حمادي أيها العزيز، أمازلت حيا ، حسبناك استشهدت بعد الطلقات الكثيرة التي سمعناها.
كالجرذ في المخبأ ، لا ، لن أحقق نبوءة القائد هذه المرة.
أ رأيت ، ستهاجم المنطقة من جديد ، هل أساعدك.
لا ، ورائي بعض النسوة .. ساعدوهن على عبور منطقة الخطر فالعساكر قادمون.
استشهد رفيقان لنا خلال الطريق حين تشابكنا مع دورية وقضينا على بعض عساكرها ، لكن الرجلين اللذين فقدنا ، كانت خسارتنا فيهما فادحة.
من هما؟
الصادق وعمار.
ظهرت على وجه حمادي سحابة حزن حسبت أنها لن تزول أبدا ولكن سحنته تبدلت بعد لحظات من الوجوم وعاد معتدلا شامخا كما كان .. وصلنا منطقة الأمان .. كانت أجسادنا تنضح بالعناء والعرق .. عيوننا كلها ترقب وحذر .. ظللنا لوقت طويل نسمع طلقات النار التي سيعقبها دون شك قدوم الطائرات المقنبلة التي سوف لن تبقي على أخضر ويابس بما تفرغه من حمولات الدمار .. وجاء جدي بعد حين يمسك بيده صبيا أشعث الشعر مصفر الوجه رث الثياب .. اندفعت نحوه أعدو وطوقته :
- جدي .. أواه يا جدي ، أمازلت حيا بعد كل ما حصل؟.
- ماذا ؟ أتحسبين جدك يموت قبل أن تغادر فرنسا أرضنا ؟
لم يلبث أن تركني وانفرد بوالدتي وجدتي .. حدثهما في أمر مهم ، رأيت بعدها والدتي تمسح دموعها بينما راحت جدتي تتساءل :
- كيف تعيش هنا ؟ كيف ؟
قاطعها جدي بحزم :
- كما يعيش بقية الناس .
ثم التفت إلى والدتي التي كانت لا تزال تجفف دموعها وقال :
- لا تخافي عليها سأرعاها بنفسي ، أعرف أنها صغيرة وأننا نحملها فوق طاقتها ومع ذلك لا مفر من هذا ، فعبث العساكر ليس له حد غدا ستكبر وتدرك أننا أردنا مصلحتها..
فرشنا على الأرض ما جمعناه من خرق ، واستلقينا للنوم في كوخ متهالك قادنا جدي إليه . كان خاليا من أي شيء عدا منضدة عليها أوراق وأقلام وجهاز لست أعرفه .
كانت تتطاحن في ذهني أفكار شتى وبجانبي ترقد "زهور" رفعت الغطاء عن وجهها إلى أن لفحتني أنفاسها الدافئة، وطبعت على خدها قبلة هادئة فإذا بها تجهش بالبكاء .
- ألم تنامي بعد ؟
أجابت والحزن يقطر من صوتها :
نعم ، ولعدة ليال .
أكنت تعلمين قبل اليوم ؟
نعم..
ولم لم تخبريني ؟
وماذا كنت ستفعلين ؟
فأنت راحلة إذن ؟
أنتن اللواتي سترحلن .
هكذا تزوجت "زهور" وببساطة ومن غير مراسيم ولا حفل .. كنا حزانى كلنا ، حتى جدي الذي استبقاها معه أحس الألم الذي بدا على وجوهنا .. كان الفراغ الذي تركته في نفسي كبيرا .. وغصة في حلقي تمنعني حتى عن ازدراد ريقي .. فجأة شعرت بشيء ينزاح عن صدري إذ وجدت الدموع سبيلا للانهمار من عيني فرحت أتصفح أيامنا الخوالي وأنبش خارطة الذكريات .. ذكرياتي معها.
يا ما انحدرنا معا فوق الروابي وصعدنا ..
ويا ما قطعنا من مسافات في الحقول تلاحقنا الكلاب..
ويا ما تسلقنا من أشجار وقطفنا من أزهار .. فمن هذا الذي تجرأ وأخذ "زهور" مني ؟
من سلبني إياها ، وأي قرار هو قرارك يا جدي ؟
وفي الصباح إذ أزمعنا على الرحيل توقفت عن السير معاندة :
- لن أتحرك من هنا قبل أن تصحبني "زهور" .
صرخت والدتي :
- "زهور" تزوجت ، يجب أن تفهمي ، إلى متى ستبقى معك ؟
وسرت والدموع تطفح من عيني ..
كيف تتزوج أختي من رجل غير موجود ؟
كيف تنتظر عودته من مهمته بدل أن يكون هو المنتظر؟
ومن قال أنه سيعود ؟
مررنا بالمزرعة فالتقطنا بعض الأشياء التي سلمت من ألسنة النار وعبث العساكر ، ورحنا ننحدر صوب المدينة .. كنت أحمل الصبي الذي سلمه لنا جدي قائلا :
- قتل والداه أثناء غارة جوية ولا نعرف له قريبا هنا ، سنطلبه إذا وجدنا من يسأل عنه يوما ما .
كنت حافية وإياه ، الأشواك والحجارة لا ترحم وكذلك الحفر .. وصلنا البيت الذي سنسكنه قبل حلول الظلام بقليل .. الحارة ضيقة وكل جديد فيها يثير الانتباه .. خرجت نسوة الحي .. وكان الأطفال قبل ذلك قد تركوا ألعابهم وتجمهروا حولنا مستطلعين .
عند منصف الليل بالتقريب وأنا أقلب عيني الأرقتين في سقف الحجرة الذي لا أراه.. إذ بأضواء كاشفة تتسلل من خصاص النافذة إلى الداخل وتبدد الظلام الجاثم فجأة .. سقط قلبي بين أحشائي فدفعت والدتي بقوة:
- أتسمعين أترين ؟
أجابت بصوت مبحوح :
- لاحقونا إلى هنا .. يا إلهي .
بيدي الأخرى دفعت جدتي التي ترقد بجواري وهمست :
جدتي إنهم العساكر
وكان أحدهم قد وصل باب الغرفة فقال بلهجة آمرة :
- انهضوا جميعا .
نهضنا نتعثر في أسمالنا البالية ، وكان الطرق عنيفا على الباب الخارجي فسمعت والدتي التي ظلت مستلقية تقول :
لماذا لا يفتحون الباب لرفاقهم ؟
دفع أحدهم قريبنا بعنف وقال مزمجرا بحقد :
افتح لضيوفكم الباب .
اكتملت الفرقة أخيرا بالذين قفزوا من أعلى السور والذين دخلوا من الباب .. كانت الوجوه نفس الوجوه ، المكان فقط هو الذي تغير .. حتى كلابهم أحسبها هي..هي.. بأحزمتها الجلدية وأنوفها السوداء .. وفجأة وجدناهم ينسحبون قائلين:
يمكنكم العودة إلى جحوركم .
لقد اعتقلوا ابن الجيران قال قريبنا .
دخلنا عن طريق الحديقة نواسيهم فاستغربنا كون أمه ما علمت حتى تلك اللحظة أنه اعتقل .. فلقد كانت تردد طوال الوقت وأسنانها تصطك هلعا وبردا :
لم أتوا يا إلهي ، لم أتوا ؟


انزل اسفل لتكملت باقي الرواية







MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 7:22 pm


تكملة :
نزلت المدينة ، فجدبني بريقها الأخاذ وانبهرت بها .. كل شيء تغير أمام نظري .. لم ألبث بعد طول تقوقع أن اندمجت مع أهلها .. ألبس القصير مثلهم .. أقلد مشيتهم .. أذهب إلى السوق في الصباح الباكر من كل يوم، أعود بعدها إلى منزل إحدى الجارات لأتعلم العربية وأحفظ القرآن .
كانت المعلمة تجمعنا في غرفة واحدة ونحن مستويات نتعددة من كلا الجنسين .. لقد كان الجلوس على الحصير يذيب أطرافنا شتاء ، وضيق المكان يجعل الحرارة تخنقنا صيفا .. كنا نتعلم في جو مليء بالخوف والترقب ، ونحن نتوقع أن نطرد بمجرد أن نسمع صفاراة الإنذار ..
عرفت عددا من البنات زميلاتي في الكتّاب والبعض الآخر جاراتي في الحارة .. كنت يتيمة الأب والإعانة التي تصلنا من الجبهة لا تكفي .. لذا كان لعابي يسيل أمام كل واجهة أقف قبالتها ، الشيء الذي جعلني لا أتردد في جلب حاجيات السيدات من الدكاكين كي احصل على بعض النقود مقابل ذلك .
ذات يوم وأنا عائدة من الدكان القريب أحمل طلبات إحداهن ، رأيت جارتي فاطمة عند آخر الشارع ، فعدوت نحوها حتى وقفت بجانبها .. لم تتفطن لوجودي إذ كانت منهمكة في التهام الحلوى .. مددت يدي من الخلف وأغمضت عينيها .. ارتعدت كما لو أصاباها التيار وقالت بصوت مضطرب :
- من ؟ ماذا تريد ؟
لم تلبث أن تملصت مني فقلت لها بتوسل :
- أعطني .
أعطتني من غير تردد وأكثرت .. فسألتها باندهاش وبراءة :
- هذه الحلوى اللذيذة ما ذقت مثلها ، كيف حصلت عليها؟
- من سيدة فرنسية
- هل خدمتها ؟
- نعم ..
أجابت وهي تريني مبلغا من المال وتقول :
- وهذا أيضا .. أنظري ، أتريدين الحصول على مثله ؟
- كيف ؟
- تجيئين معي غدا .
- إلى أين ؟
- معي حيث تحصلين على المال والحلوى .
- أوه ، قلت لي .. من السيدة الفرنسية ؟
- كلا ..
- من أين إذن ؟
- أتعرفين الإسكافي الذي يقع دكانه وسط المدينة .
فكرت ، فما اهتديت ، فأضافت موضحة :
- ذلك الذي يوجد مقابل مقهى السيدة "الحمراء" والتي يسكر فيها العساكر كل ليلة سبت .
- ها عرفته .. عرفته ..
- أأنت تخدمينه ؟
- لا .. ولكني أنام معه على السرير . أتأتين معي ؟
قالتها بلهجة لا تخلو من الإغراء .
- سأفكر في ذلك وأخبرك .
- احذري أن تطلعي أحدا .
راقت لي المغامرة وأبى طيف صديقتي أن يفارقني ، تصورتها في جميع أوضاعها على السرير فأحسست بالغيرة ، استيقظت مبكرة وقد دهشت والدتي حين رأتني أتحرك في فراشي واهم بالقيام .. كنت أريد أن أبلغ فاطمة موافقتي فذهبت أسال عنها إذ طلع النهار فقالت لي أمها :
- ابحثي عن غيرها ، فاطمة تعيلنا ، وإن كنت تريدين اللعب معها فابعثي بأبيك يعيلنا وأعطيك إياها .
انسحبت مولية وشعور بالخيبة يسكنني قبل أن تطرأ على بالي فكرة اللحاق بها .. عدوت بأقصى سرعة حتى بلغت المكان .. وقفت أمام الدكان ألهث من شدة التعب،
فأطل علي الإسكافي بأنفه الطويل ووجهه المنكر وبادرني بالقول :
- هيا أدخلي .. لا تخافي .. أنت صديقة فاطمة وقد حدثتني عنك .. أنت رائعة يا صغيرتي ..
بقيت مسمرة في مكاني .. تسلقت جسده بنظراتي على عجل .. ثبتها على رجله الخشبية الممدودة كجذع شجرة هرمة .. ابتلعتني دوامة هي مزيج من القرف والخوف .. تقهقرت إلى الوراء .. وانطلقت هاربة أعدو باتجاه الدار وأنا أفكر بمقاطعة "فاطمة" التي قبلت النوم مع هذا الخنزير القذر.
واتضح لي بعدما أن مهنة هذا المعوق ليست تصليح الأحذية بقدر ما هي ستار يخفي وراءه فخاخه ليوقع بالفتيات الغريرات مستغلا سذاجتهن وعوزهن .. فلقد كان واحدا من المرتزقة الذين قدموا مع الغزاة للنهب ونشر الفساد .
ومنذ فقد رجله في موقعة حربية أحيل على التقاعد الإجباري فكانت مهنته الجديدة تذبيح البراءة والمتاجرة بها .




شمس جويلية باهتة تريد أن تزيح عن طريقها السحاب فلا تقوى ..
الترقب يرقص في العيون ويعربد .. الابتسامات تزرع الرجاء والأمل في كل الوجوه .. بريق الحرية يشع في الأفق المضرج بالدماء والدموع .. الناس في مدينتي وفي كل شبر من وطني ينتظرون .. ينتظرون قدوم الفرحة الكبرى بالاستقلال نتيجة الاستفتاء ..توقف الزمن عن الحركة وقتئذ فلأيام مديدة تحول إلى نهار طويل .. نهار تسمرت فوق سمائه الزرقاء شمس متوهجة غادرها الشحوب إلى الأبد ..
تحررنا أخيرا فاحتشد الناس على الأرصفة وفي الطرقات .. أغلقوا ديارهم وأماكن عملهم وانطلقوا إلى الشوارع .. اختلطت النساء بالرجال للمرة الأولى ، رقصنا جميعا ورقصنا معا .. مارسنا طقوسا من الفرح المحموم .. خرجنا من كهوف كبتنا دفعة واحدة .. وركبنا الموج .. جنود الاحتلال ينسحبون إلى الثكنات انتظارا للرحيل .. سيارات الجبهة الوطنية للتحرير تنقل الجنود العائدين فيستقبلهم الناس بالأحضان .. وضيعت والدتي وجدتي في الزحام فلم أعثر عليهما .. أبقيت على يد جارتنا في يدي .. ذكرتني قفزات الجنود العائدين ب ْ حمادي ْ الجندي الجريح .. حدثت عنه جارتي بإسهاب وقررت أن أسأل عنه .. أن أجده .. اقتربت من سيارة سوداء وسألت شابين كانا بداخلها :
أتعرفان "حمادي" ؟
من هو "حمادي" ؟ هناك عشرات يحملون هذا الاسم .
"حمادي" بن عبد الله .
أخوك ؟
لا .. أعرفه وأريد أن ألقاه .
تعرفينه ، وتريدين أن ..
التفت أحدهما إلى صاحبه وسأله :
هل نأخذها معنا ؟
قلب الآخر شفتيه في عدم اهتمام فألح عليه الأول ثم استدار إلي وقال :
اركبي سنوصلك إليه .
التفتت إلى جارتي أدعوها لمرافقتي واستطلع رأيها فما وجدت اعتراضا .. دلفنا إلى السيارة معا فراحت تنهب بنا الأرض وتلتهم المسافات .. وكلما دخلنا قرية وجدنا بها حفلا بهيجا مظاهره الأعلام الوطنية وأكاليل النصر .. وطوال المسافة لم أنقطع عن محادثتهم بحماس كبير عن "حمادي" كيف جرح وكيف زحف على الثلج حتى وصل إلى كوخنا وأسعفناه .
توقفت السيارة في مكان غير آهل ، فترجلنا منها واقتادنا الشابان إلى غابة كثيفة وهناك اعتديا علينا .
عدنا بعد مدة للسيارة ، وبمجرد أن رأيت رفيقتي ورأتني حتى انفجرنا نبكي بحرقة .. فبادر أحد الشابين بإخراج مدية من جيبه وهددنا بالذبح إذا نحن واصلنا البكاء ، بينما ظل الآخر جالسا في صمت وكأن الأمر لا يعنيه .
أدخلني جدي المدرسة إذ عاد من الجبل .. كنت يومها في سن المراهقة لم أكن آنئذ أكبر تلميذة في القسم ، بل وجدت من يكبرني بسنين .. كانت مدرسة حرة ومفتوحة لكل من يريد أن يدرس ولكل من هو قادر على دفع تكاليفها مع مطلع كل شهر.
أنت تعرفين أنني اغتصبت ولكم هي رهيبة ومفزعة هذه الحقيقة لو عرفها الناس ، إذ لا شيء يحرك المجتمعات المنغلقة كالحقائق إذ تنكشف ، ملت إلى الانطواء والصمت ، ربما لشعوري بالنقص أمام الأخريات أو الحذر منهن .. لم أعد أهتم بغير المطالعة والتحصيل .. اكتسبت وعيا ونضجا فلقد كان جدي يهتم بي ويشجعني على المثابرة والجد ، ويفخر بنتائجي المذهلة مع معارفه وأصدقائه ، إلى أن صرت محور اهتمامه وانشغاله ، يستعمل كل الطرق في سبيل أن يحصل لي على بعض
الكتب النادرة آنذاك .
بعد أعوام استطعت الحصول على شهادة خولت لي الالتحاق بالمستشفى كممرضة .. مضت الأيام ثقيلة في بادئ الأمر، لكنني سرعان ما انغمست في عملي اليومي بلا هوادة ليلا أو نهارا ، عندها أجبرت الكل على احترامي والاعتراف بكفاءتي ، تعلمت أشياء كثيرة في هذه المهنة لكن حذري من الجنس الآخر كان شديدا . وبقيت مدة طويلة كالطود الشامخ لا أتزحزح عن موقفي ، فكان ذلك التمنع سببا في مطاردة الرجال لي .. كانت تلك فرصتي الوحيدة للانتقام من الرجال والاستعلاء عليهم ، لكن هذا الكبرياء سرعان ما بدأ يتلاشى مع مرور السنين ، ومرارة الإحباط ما فتئت تسكن أعماقي ، عندها أنخرط في بكاء مرير على ما فقدت وأنا أتضرع إلى الله :
رباه إلى متى هذا الإبحار اللانهائي ؟ لا بد لي من ميناء أرسو عنده ، ميناء يقبل احتضاني بلا تأشيرة أو شروط مسبقة لأسند رأسي إلى صدره .. فأين مينائي ؟ أين رجلي .
أنا لست ساذجة ومطلبي ليس باليسير السهل ، يجب أن أكون واقعية ،أليس كذلك؟ فالرجال – جميع الرجال – مهما أوتوا من علم ومعرفة مصابون بحمى الشرف الرفيع .. صدقوني أن أغلب الممرضات اللواتي يشتغلن معي يروين عن مغامرات لا تخطر لك على بال ، ومع ذلك يفزن بعين الرضا. بينما أخريات كنّ ضحايا ظروف غامضة صنفن في زمرة المنبوذات ولفظن كالنواة لمجرد فقدانهن للعذرية. أرأيت كم هم ساذجون هؤلاء الرجال يتزوجون بطريقة أجدادهم الأولين يتناوبون هذا الميراث جيلا بعد جيل ، ويطبقونه بقدسية وأمانة .
كان الانفعال قد بلغ أشده عند محدثتي وهي مندفعة في سيل أهوج من الشتائم والتهجم على الرجال ، تدخلت لتهدئتها خشية أن تنهار أعصابها أو تفقد القدرة على مواصلة السرد الواعي المتزن فبادرتها :
أنت قاسية .. كيف تتهجمين على الرجال كلهم وبلا استثناء .
ملامحها لا تزال مكسوة بالقسوة .. بعد صمت استطردت بشيء من الهدوء :
أقدر مشاعرك ، ولكنني مقتنعة- رغم ما في لهجتي من انفعال – أن حكمي على الرجال لا يخلو من موضوعية وصواب .
لم أشأ أن أدخل معها في حوار هامشي وتركتها تواصل:
التقيت بأول رجل في حياتي عن طريق الصدفة وأنا داخل مؤسسة التكوين المهني ، ناداني البواب وطلب مني أن استودع أمتعتي لديه قبل أن أذهب إلى الإدارة لأقدم نفسي وأوراقي . ففعلت . وحين كنت أغادر المكتب ارتطمت بشخص كان يدخله فاعتذر بلطف: (عفوك خولة)
صرخت مندهشة :
أنت تعرف إسمي ؟ من أين ؟
نعم أعرفه ومنذ زمن بعيد .
بعدئذ صار يتردد على مكان تربصي ثم عملي ، وتوطدت بيننا العلاقة حتى بت أعتقد أنني أحبه .. وذات يوم قال لي :
ما رأيك في أن نلتقي بمنزل أحد أصدقائي بحضور زوجته لنتحدث بعيدا عن العيون المتلصصة .
سأفكر في الأمر
ونقلت له موافقتي في الغد مباشرة . فلقد كان لدي ما أقوله له أنا الأخرى . كنت أريد أن أصارحه بحادثة اغتصابي.
ذهبت إليه ، وفعلا استقبلتني عند الباب امرأة ، كانت نوافذ الشقة كلها مغلقة، والغرفة الأولى تسبح في الظلام .. توجست خيفة من هذا الاستقبال المشبوه
حين انسحبت المرأة بعد أن أغلقت الباب ، أسرعت لأصارحه هروبا من هذا الجو المريب:
لن أخفي عنك شيئا ، سأخبرك بحقيقتي ، وأنت بعدها تقرر ما تريد .
قولي ..
....
أخبريني ، لست غريبا عنك
قلت بعد تردد وكأن الكلمات قد تحولت إلى زجاج في حنجرتي.
لقد اغتصبت وأنا طفلة .
مرت لحظات صمت ثقيلة .. بدا مضطربا .. نظر يمينا ويسارا وقال بارتباك :
فأنت لست عذراء .
تحركت رجلاه في اتجاهي .. بدأ يدنو مني أكثر ثم قال بلهجة لا تخلو من خبث :
مارست الجنس مع بعض الرجال طبعا .
تصاعدت فورة غضبي إلى درجة الغليان .. كتمت غيظي وقلت ببرودة متصنعة:
بل معك فحسب ، فأنت وحدك من أحب .
أفهم ما تعنين .. فأنت تمثلين دور الطاهرة .. كنت تخدعينني .
ألا تجد هذه المصارحة دليلا على صدقي .
أراد أن يوجه الحديث في اتجاه آخر فقال بود:
أرجوك أن تفهميني .. الذنب ليس ذنبك بطبيعة الحال وقد كنت يومها طفلة .
ومد يده لأزرار قميصي .. شعرت أن الذي صار يهمه في هذه اللحظة هو استغلال الفرصة بأسرع ما يمكن قبل أن أطير من يده .. راح يسرد علي عبارات من الغزل واعدا إياي بالزواج .. عندها أدركت على الفور أن كل الوسائل باتت مشروعة في نظره لتحقيق مأربه ، أبعدته عني بهدوء وأنا أطفئ أتون شهواته المستعر بابتسامة باهتة ثم قلت بدلال :
لست محظوظا هذه المرة .
لاح بريق خاطف في عينيه .. أحسست أن الحيلة قد انطلت عليه حين قال :
ماذا تقصدين ؟
أنا في دورتي الشهرية . اهدأ ودعنا نتحدث فالأيام الجميلة ما تزال طويلة أمامنا .
ظل صامتا .. أدركت أن هذا الدور لا يزال ناقصا ولابد من تكملته ببعض الرتوشات التي تقطع عليه الطريق . وضعت وجهي بين يدي ورحت أتوجع من صداع وهمي .. خيل إلي أن هذا لا يكفي فأوهمته أنني بصدد أن أتقيأ .. عندها وجدته يتقهقر إلى الوراء طالبا مني مغادرة المكان .. صار كل همه أن يتخلص مني .
وما كدت أتنفس هواء الخارج حتى أطلقت ساقي للريح أعدو وحيدة في الشارع الموحش الطويل .
وصلت باب بيتنا .. طرقته بعصبية .. كنت أتمنى أن أغرق نفسي في نوم طويل .. لكن المفاجأة السعيدة التي كانت تنتظرني أنستني هذه الأحاسيس ، إذ تلقتني أختي "زهور" خلف الباب .. أخذتني في أحضانها وطوقتني بقوة وشوق .. شعرت باطمئنان كبير وتمنيت لو أبقى على صدرها ..
دخلنا الغرفة متعانقتين ، وراحت تمطرني بأسئلتها التي لا تنتهي ، فعجبت من "زهور" الصامتة التي تحولت إلى هذه الثرثارة .. لمست أنها سعيدة في حياتها الزوجية رغم أنها تسكن قرية نائية ، حيث يعمل زوجها في إحدى تعاونيات الفلاحة.. ورجعنا بذكرياتنا إلى الوراء ،
إلى جني الزيتون والبرد القارص يجمد أطرافنا ..
إلى الخضر والفواكه التي كنا نجنيها قبل نضجها ..
إلى أيام الربيع التي نقطف فيها الزعتر ..
إلى موسم الحصاد ..
إلى الخريف والأعراس وإلى .. إلى .....
راقني زوجها باتزانه وقوة شخصيته ، فهو من النوع الذي تثقف في مدرسة التجارب والحياة ، ومع ذلك يرغمك على الاستماع إليه حين يتحدث بصوته العميق المقنع .. الآن فقط عرفت سر سعادة "زهور" وغفرت لها كل ذلك الانتظار الطويل لتتزوجه يوم تركناها مع جدي في الجبل
بعد أن أنهت زهور وزوجها الزيارة وقررا العودة دعواني لمرافقتهما ، لم أبد اعتراض فالظرف كان مناسبا لأن أهرب من هذه المدينة التعسة فأسرعت للحصول على إجازتي السنوية التي لم أطلبها من أعوام ...
أيام مليئة بالهدوء والسكينة قضيتها في ضيافتها وكان لابد لي أن أعود إلى المدينة ، وفي أول يوم لوصولي كنت على موعد مع القدر إذ وجدت في انتظاري حدثين مريعين .. كان الأول ظهور أحد أعمام الصبي الذي كفلناه وقد جاء يطالب به .. لازلت أذكر أنه احتمى بنا واحدا واحدا ، ولما عجزنا عن حمايته ويئس منا هاجر بيتنا وظل مختفيا طوال النهار لدى أحد أصدقائه الصغار ، ورغم ذلك ظل العم يغريه بالهدايا واللعب حتى سلس قياده وصحبه .
أما الحدث الثاني فصاحبته "فاطمة" صديقة طفولتي ، تلك اليتيمة البائسة التي إختفت فجأة ؛ فقد إستطاع الإسكافي ذو الرجل الخشبية أن يغريها بالهجرة معه ، فرحلت في ظروف غامضة .. كانت نسوة الحي يرددن هذه الحادثة بشماتة وتشف .. وكان قلبي يتمزق في صمت لأجلها ..لو أنهن عرفن ما عرفت من محن كنا ينتحبن حزنا عليها .. الثرثارات .. طويلات الألسن .. لم يعرين كما عريت ، ولم يجعن كما جاعت .. وبدموع غزيرة بكيت فاطمة والصبي كما لو كانا قد ماتا ووسدتهما التراب .




عدت لعملي في المستشفى مقبلة عليه بنشاط وافر ، وفوجئت ذات مساء باتصال هاتفي من طرف المدير يطلب مني أن أنتقل فورا من قسم الولادة إلى قسم الاستعجالات ؛ لأسهر على تمريض شاب أصيب في حادث سيارة ، وتساءلت لماذا وقع الاختيار علي أنا بالذات وبمثل هذه السرعة ؟ وبعد أيام تلقيت الإجابة على هذا السؤال من فم الشاب نفسه ، فهو من أقارب المدير ولابد له من ممرضة يقظة ذات كفاءة عالية لتسهر على تمريضه .. أديت واجبي نحوه كاملا مثلما تعودت أن أؤديه مع غيره من المرضى .. كنت أتلقى كل يوم عشرات المكالمات الهاتفية فأرد عليها وأطمئن السائلين عنه ، وحين بدأ يتماثل نحو الشفاء صار يتودد إلي ويطلب مني أن أقدم له الدواء بنفسي .. كان يحدثني عن حياته وآماله وطموحاته .. وأنا أستمع إليه باهتمام ، ويظهر أن الاهتمام قد فسره على طريقته الخاصة .. فكان لا يفتأ يقدمني لكل زائر من أقاربه وأصدقائه مظهرا إعجابه بي ، مادحا لخدماتي بل ذهب إلى أكثر من هذا حين عبر لي عن حبه وتعلقه بي .. تهربت بلطف من هذا الموضوع وبمرور الأيام .. صرت أستأنس به .. شيء ما أصبح يشدني إليه .. صار يزورني في المكتب بكل حرية حين تحسنت صحته ، ولم أعد أقبل البقاء معه وحيدة في غرفته . ودخلت عليه ذات مساء ابنة أخته التي قدمها إلي فيما مضى .. ورن الهاتف في المكتب وكانت أمه تطلبه . فتحت الباب بهدوء .. فوجدت الفتاة بين أحضانه في مشهد مثير .. صعقت لهول ما رأيت .. أغلقت الباب وانسحبت .












موحش هو البيت هذه الأيام وقد غادرته الوالدة لزيارة "زهور" التي أنجبت ولدا آخر .. أحسست في غيابها بقلق كبير .. كآبة وحزن يسكنان نفسي بمجرد أن تبتعد عني ، رغم أنها من النوع الصامت الميال إلى العزلة وفي يوم عطلة طرق بابنا مبكرا فاستيقظنا مذعورين لنجد زوج أختي ممتقعا مظطربا ، فخمنت أن حادثا ما وقع ل "زهور" بعد ولادتها فقلت بلهفة:
ماذا وقع ل "زهور"؟
ليست هي ..
ابنها ماذا حل به ؟
ولا هو .. والدتك هي التي ..
فاستحثه الجدان بصوت واحد..
هي التي ماذا.. تكلم يا رجل..
نقلتها إلى المستشفى ليلا .. وحالتها تستدعي إجراء عملية جراحية وهي في حاجة إلى الدم .
تهاويت على الأرض بعد أن أحسست بأعصابي تتهدم جزءا ، جزءا..
وعادت الغصة تسد حلقي لتوقف عباراتي وتدفع الدموع إلى عيني ..
أجريت لوالدتي عملية استئصال كيس ، وعشت في قلق عصيب وأنا انتظر نتيجتها.. كنت اذهب إلى المستشفى فقط لأكون بجوار والدتي أراقب حركاتها وسكناتها ..
يوم الزيارة حل بالغرفة التي ترقد فيها والدتي أناس غرباء .. رأيت جدي يغادر الغرفة بعد دخولهم مباشرة .. استغربت هذا التصرف منه خاصة حين قدمتهم لي والدتي على أنهم أخوالي ، فتساءلت باندهاش :
لماذا لا يزورننا ؟
أسكتتني والدتي باشارة منها فصمت وعندما عدت إلى البيت أسرعت أسأل جدتي :
ما الذي منع أخوالي من زيارتنا ؟
أجابت بتحسر :
حدثت هذه القطيعة منذ أعوام طويلة وبالضبط بعد وفاة أبيك حين حضر أخوالك يريدون أخذكم ورفض جدك.
(( لست أقف في طريق ابنتكم إن أرادت الرحيل معكم، ولكن من غير البنتين))
واحتارت أمك في هذا الاختيار الصعب :مقاطعة الأهل أو التخلي عنكما .. وأخيرا رجحت الأمومة فرحلوا غاضبين ولم يعودوا لزيارتها إلا بعد أن علموا بوجودها في المستشفى لإجراء هذه العملية .
وعرفت السر الكبير الذي يجعل والدتي غارقة في الصمت طول الوقت فأكبرت فيها تضحيتها العظيمة .
وغادرت المستشفي بعد أيام وقد تحسنت حالتها بشكل ملحوظ .
كنا نجلس في فناء الدار تحت أشعة شمس دافئة حين دخل جدي مسرعا من دون أن يغلق الباب .. كان وجهه مشرقا وهو ينقل إلينا النبأ بفرح طفولي :
سنعود المزرعة لنخدمها .. وصلتني مكافأة مالية كبيرة أستطيع أن أصلح الأرض وأرمم البيت .. ما رأيكم في أن نرحل قريبا ؟
قالت جدتي بسرعة والفرحة تغمر نفسها :
نرحل الآن إن شئت , ليس لدينا ما يشدنا إلى هذه المدينة .
قلت في أسف :
وعملي .
قال جدي ملاطفا :
ستعملين في القرية بعد أن تدشن ويفتح المستوصف .
رحلنا.. وعاد الجميع إلى خدمة الأرض .. والتحقت بعد مدة وجيزة بمستوصف القرية , كان العمل فيه مرهقا بسبب المسافة الطويلة الفاصلة بين المزرعة والقرية , ومع ذلك تحملت .. كانت تنسيني تعبي تلك الوجوه البائسة المكدودة التي تنتظر لمسة حنان من يدي كل صباح . يساعدني في عملي شاب قدم من المهجر .. طلب يدي في الأسبوع الأول من تعرفه علي لم أرفض هذه المرة وسنوات شبابي تطير مني . اتفقنا على كل شيء, غمرني شعور كبير بالارتياح إليه مند الوهلة الأولى ، ألفته بسرعة, حددنا موعد الزواج وطفقنا نهيئ شقتنا الجميلة بالطابق الأعلى من المستوصف , كنا على موعد في كل شيء .. لكأن القدر قد هيأ للقائنا منذ الأزل , كل واحد منا قد عركته الحياة وذاق حلوها ومرها , ننظر إلى الحياة من حولنا بعين فاحصة لا تتوقف عند السطح , وإنما تتوغل إلى الداخل لتسبر الأغوار .. قد تتساءلين :
ولم عدت اليوم إلى المدينة ؟
أطمئنك : جئت لغرض الحصول على بعض الفساتين الجاهزة وحاجيات أخرى لمراسيم الفرح والبيت الجديد .
سألتها بفضول :
أأنت في الثلاثين ؟
قالت ضاحكة :
-نعم .. هل يبدو علي الكبر ؟
-أبدا .. متى تتزوجين ؟
الجمعة القادمة .
ياللمصادفة , سوف نكون يومها في حملة تطوع بتعاونية القرية الاشتراكية التي تعملين بها , وسنحضر حفل زفافك ونرقص جميعا على أنغام الزرنة ودقات الطبل .
ستكتمل سعادتي فأنت وكل رفيقاتك مدعوات للحضور .
انتصبت واقفة لتنظر في ساعة يدها .. حاولت أن أستبقيها لنرتشف معا قهوة العصر , ولكنها رفضت .. أعادت النقاب على وجهها وانطلقت من غير أثر سوى هذه القصة التي قد تصلح للنشر .






كان الجو قاتما , والرياح العاتية قد تآمرت مع الأتربة وأخذت تهز مصراعي النوافذ , ورغم هديرها الصاخب تناهى إلى سمعي طرق خفيف على الباب أسرعت لفتحه ففوجئت بها بعد عشر سنوات من الغياب ، وتعرفت عليها رغم أن النضارة قد غادرت وجهها البربري الجميل وحطت الأحزان على قسماته فاحتله الشحوب .. أفسحت لها الطريق , فدخلت ومثل المرة السابقة جلست على طرف الأريكة فقلت أمازحها :
أنت لا تأتين إلا رفقة العواصف .
ضحكت وقالت:
لأني لا أحس بالاستقرار والهدوء , فحياتي كلها زوابع, تمنيت فقط أن أجدك.
ربما كان ذلك من حسن حظي .
أمازلت تكتبين ؟
قلت بفرح :
ماذا ؟هل لديك قصة أخرى ؟ لا بل سأكمل قصتي بعد الزواج .
أفهم من هذا أنك غير مرتاحة ؟
بالضبط .
لقد اخترت زوجك بنفسك .
وبئس الاختيار .
ماذا وقع ؟
صمتت , وضعت رأسها بين يديها لحظات ثم رفعته وأدارت شريط الذكريات , فتدافعت الصور إلى خيالها والكلمات على لسانها في حديث مسهب :
ماذا وقع ؟ .. ماذا وقع ؟ .. وقعت أحداث كثيرة , كان أوله الحفل المتواضع الذي أقمناه في بيت جدي بعد أن رممناه , وقد حضره بعض الأقارب والجيران , وحتى أخوالي الذين انقطعت بيننا وبينهم أواصر الصلة منذ زمن بعيد حضروا .. ورفلت والدتي في أجمل أثوابها التقليدية التي تجيد صناعتها , لكم كانت القبائلية رائعة وهي تتباهى بحليها الفضية وفساتينها المزركشة , لقد سرقت مني الأضواء بنعومتها وقد شع على وجهها فيض من الفرح بتواجد أهلها ، كنت سعيدة بها, ولكن سعادتي لم تدم طويلا فسرعان ما انتقلت من هذا الجو البهيج إلى الجحيم .
بدأت متاعبي عندما ترجلنا من سيارات الموكب وسرنا مسافة طويلة في دروب وعرة مليئة بالحفر والأشواك والأتربة قبل أن نصل إلى بيت زوجي , وأي بيت هو بيت أهله ؟ أكواخ متفرقة وجدران طينية وباحة ترابية تغطيها أصناف متداخلة من البشر : الرجال والنساء والأطفال . بعضهم كانوا يرقصون داخل حلقة شكلها المتفرجون , وقفنا مرغمين تحت شمس الصيف اللاهبة تصلي رؤوسنا وتحرق جباهنا , كنا متعبين ظمآنين , ولكنهم لم يسمحوا لنا بالدخول حتى نحضر رقصة الرحبة , وأية رقصة ؟ كان هناك جمع من الشبان يدورون حول أنفسهم , وآخرون يتمايلون أو يدقون الأرض بأقدامهم فترتجف تحتها الأتربة , وبعضهم يرفعون أذرعهم أو يقفزون على أرجلهم أو يضربون بها الهواء .. وتداخلت الأصوات والحركات والألوان والعطور وروائح الطبخ والفتيات يغنين بأصوات عذبة وبانسجام رصين أو يرددن وهن يصفقن ليصاحب ذلك إيقاع الخطوات وتمايل الرؤوس واهتزاز الأجساد والبطون والأرداف : يرافق كل ذلك أصوات مهتاجة تثقب الآذان , وقد تألقت السعادة في عيون الجميع , والتمعت الفرحة على وجوههم التي سال عرقها .
وأفسح الراقصون المجال للنساء اللواتي دخلن الحلقة وقد طوقت الواحدة منهن خصر الأخرى , وشكلن صفين متقابلين .. كلما تقدم صف إلى الأمام تراجع الأخر إلى الخلف , وأخذن يضربن الأرض بأقدامهن وهن يغنين بأصوات رخيمة عن الثورة والوطن والفروسية والحب , وكأنهن يتبادلن حوارا بأقدامهن الموقعة ونظرات عيونهن الملتمعة وهن يتمايلن من جانب إلى جانب , بينما الآخرون ينصتون أو يبتسمون أو يتغامزون , وانتهت الرقصة وتعالى صياح الحاضرين استحسانا والراقصات يمسحن العرق عن وجوههن النضرة .
وأدخلت غرفتي العارية من أي أثاث فانفجرت مرافقاتي بالبكاء حين لم يرين فيها غير ما سبقني من علب وحقائب ومفروشات , وقد بسطت طراحة الصوف على حصير فجلسنا على حوافها .. وزحفت نحوي إحدى عماتي وقد غص حلقها فوصلني صوتها ناضحا بالمرارة :
- لم فرطت في نفسك وقذفت بها في هذا الجحيم الأسود , لم بعت روحك برخص التراب وأنت لا ينقصك شيء، مثيلاتك قليلات فلم وضعت نفسك مع هؤلاء المتخلفين ؟ .. وقلت وأنا أغوص في خجلي علي أبرر وضعا لا يطاق .
- لقد خدعت به .
وهمست أختي وهي أول من تملكتها الرغبة الحارقة في البكاء :
لقد استكثر عليها سريرا ترقد عليه , وخزانة تلم فيها حوائجها المبعثرة هنا وهناك ...
وتراكم الأسى على القلب وتأكدت من أنني لن أرى غدا سعيدا حين تربص بي الذل في أول الطريق .. كان يجب أن أفرح, فمات الفرح من أول يوم ابتدأ فيه .. كان يجب أن أغني, فانتحر الغناء على شفتي لتبدأ رحلة الألف هم .
وقدم لأهلي الطعام , فامتنع أغلبهم عن تناوله حنقا أو حزنا وانصرفوا متحسرين حزانى مخذولين , وبقيت وحيدة مفتوحة الصدر لتلقى كل الطعنات ومواجهة كل الزوابع .
وهبت أولاها حين اقتحم الغرفة كل النسوة والأطفال الذين كانوا في الباحة , فصارت مثل حمام تركي , وأحسست بالعرق ينز من كامل مسامي واختلطت في وجهي الألوان .. كنت أتمنى أن ينصرفوا بمجرد أن يروني ، ولكنهم افترشوا الأرض وجلسوا , وجلب لهم الأكل فتعشوا ونام الأطفال في حجور أمهاتهم , ولم ينصرفوا إلا حين حضر زوجي بعد منتصف الليل .
وواجهت عاصفة أخرى حين قضيت معه أسوأ ليالي عمري .. ليلة فظيعة فيها من القسوة والعنف مالا يخطر على بال , عاملني بكل ضراوة وبمنتهى الفظاظة رغم أنني كنت عذراء, فكيف لو لم أكن ؟
وتساءلت :
أهذه هي ليلة العمر التي تتحدث عنها الكتب , أهذه هي ليلة الحلم حقا ؟ وكيف يكون الاغتصاب إذا ؟
وبعد أن أدى "المهمة" اتجه نحو زاوية الغرفة ورفع صحنا فيه لحم وعرض علي الأكل , ولكنني رفضت لأني كنت أحس بالغثيان وبصدد أن أتقيأ , أعاد الصحن إلى مكانه , واستلقى على الفراش صامتا , ثم أولاني ظهره ونام . وفي الصباح تسلل بهدوء من غير أن ينظر نحوي ، فملأني القهر واشتد بي الحنق وعصفت بي رغبة في الانتقام , كنت أشعر بالقرف من كل شيء , وتمنيت أن أهرب من هذا الواقع المرير وأعود على أعقابي ، ولكني أشفقت على نفسي من شماتة الآخرين وخاصة الذين طلبوا يدي ورفضتهم .. وبمجرد أن غادر الغرفة حتى اقتحمتها مجموعة من النساء يصفقن ويزغردن ويغنين , وحين ضاق بهن المكان تراجعن نحو الباحة الترابية يكملن الأفراح .
كان طعم المرارة يملأ حلقي والهرج والمرج وصخب الأصوات يصلني عبر الكوة التي نقول عنها مجازا نافذة .. وتمنيت أن تهدأ الأصوات حتى أتنفس ريحا نقية لولا أن زحفت إلى مسمعي أصوات نساء قادمات تسبقهن روائح تخترق الأنف , واقتحمن علي الحجرة بموقد التهبت جمراته فانطلقت منه سحب الأبخرة المتصاعدة:
نحميك من العين .
قالت إحداهن : وأوقدن حولي الشموع وأفرغن فوق رأسي حبوبا وطافت أمه حولي سبع دورات وهي تقرأ طلاسم غريبة بصوت خافت .. كنت أتأمل هذه الحركات والتعاويذ باحتقار ولامبالاة , وليتني أوليتها اهتمامي أو رفضتها فقد أضعفت نفسي إلى أبعد حد , أخضعتني لقوة سحرية غامضة قلبت كياني رأسا على عقب , وحطمت شخصيتي وقذفت بي إلى حافة الجنون , فقد صرت أتهيبهم , أصبحت جارية تنتظر الأوامر لتسرع بالتنفيذ , لأنهم روضوني وأشعروني بالنقص الذي لا يكمله سوى تواجدهم رفقتي ..
وزارني أهلي وأنا أدور حول نفسي لأرتطم بالفراغ , فبكت "زهور" لأنها أحست أني أمسك على الجمر وأسير على الأشواك .. كنت أحس الغصة التي تسد حلقها , حتى لا تتدفق عيناها فأجتهد في أن أعزيها بأن الأمور ستتغير عندما ألتحق بمسكني في المستوصف , ولكنها تكتفي بأن تحرك رأسها في أسى ولا تقول شيئا من هول الخدعة .
وبعد أسابيع , حسبتها أعواما , عشتها رفقة أفراد القبيلة تقرر التحاقي بالمركز الصحي , فاعتقدت بأن أيام الشقاء قد ولت , وسأكون قريبة من زوجي بعيدة عن الزحام, وستذهب أيام التعاسة حين أنفرد به , ولكن الواقع بدد أوهامي حين رأيت غداة رحيلي حماتي ومجموعة من الأطفال قد استحموا وتهندموا وحملوا أكياس الثياب ينتظرون ساعة الانطلاق , فدفعني الفضول إلى السؤال :
إلى أين يذهب هؤلاء ؟
وتكرم أحدهم وأجاب بلا مبالاة .
- معك .
وألجمتني المفاجأة من مرارة الحقيقة فلم أضف شيئا , لأني أدركت أن لا قيمة لي عندهم ؛ وإلا كيف يقررون مرافقتي إلى بيتي من غير أن يستأذنوا . متى اجتمعوا ؟ .. متى تشاوروا ؟ .. متى ناقشوا ؟ .. متى اتفقوا ؟ .. متى قرروا ؟ .. لا علم لي .. وعرفت فيما بعد أن أربعة أطفال هم أبناء زوجي ولم يحدثني عنهم لأن والدته وعدته باحتضان الكبيرين ، بينما الصغيران تكفلت بهما أمهما من أجل النفقة , ولكنها بمجرد أن عثرت على الزوج المناسب حتى قذفت بهما إلى القرية وغادرت أرض الوطن .
كانت هذه زوبعة أخرى تعصف بي وتطفئ حماسي لكل شيء ، وأحسست بالامتعاض واستولت علي الحيرة وأنا أرى ما يحدثه الصغار في المستوصف من فوضى وتخريب , واشتكيت لزوجي من هذا الوضع ولكني لم ألمس منه تجاوبا , بل وجدته يتحالف معهم ضدي , ويعاتبني لأنني أقصر في رعايتهم , وكأنني من أنجبتهم , بينما هو لا يدخل البيت إلا لكي يأكل أو ينام ، وبدأت أفكر في الرحيل عنهم حين اكتشفت أني حامل .. فتراجعت وقلت في نفسي :
لعل هذا الحدث يخلق بيننا بعض الوئام ويغير نوعا ما من طباع زوجي ، ولكنه لم يهتم بالموضوع إطلاقا ولم يكلف نفسه حتى جلب المأكولات التي كنت أشتهيها إلا إذا مر الطلب عن طريق أمه .
وعشت شهور الحمل العصيبة مع ضوضاء الأطفال وتواجد حماتي التي
اكتشفت أنها لا تطيقني أبدا لولا وظيفتي ومرتبي , فابنها تزوجني من أجلهما وهو كان سيقبل بي طويلة كنت أو قصيرة , سمراء أو شقراء سمينة أو نحيلة , وتساءلت :
أ هؤلاء هم الريفيون الطيبون البسطاء القانعون الذين تعرفنا عليهم من خلال الكتب ونحن صغار؟ ..
لكم كنت مخدوعة بهم , فلقد اجتمعت فيهم كل العيوب الطمع , اللؤم , الخسة , اللهفة , البغض والنفاق والرياء والنذالة , فأين طيبة الفلاحين هذه ؟ أم أن الفلاحين في الكتب غيرهم على أرض الواقع ؟ ..
كل هذه الرذائل مجتمعة فيهم وتعيرني بأختي < زهور> وهي لم تدخل الجنة التي صنعها لها زوجها ولم تلمس الهناء الذي حققه لها مما يجعلها تؤدي كل أعمالها في تؤدة وطمأنينة لا تتوفران لي أبدا وأنا أفكر في الرحيل عنهم كل يوم ليل نهار , صبح مساء , بعد أن فقد كل شيء طعمه ولونه وصرت أحس نفسي ضفدعة تسبح في محيط لا شاطئ له .
وراودني الحنين إلى أهلي , فطلبت من زوجي أن يعيدني إلى بيتنا مادام قاصرا عن جلب ما أشتهي , كما أن أمه لم ترحم شعوري , فلقد رجوتها ألا تطهو بعض الخضر التي تثير غثياني ولكنها لم تهتم , وهي التي رجوتها , أن تعد لي شيئا من الفطير فرفضت , لتعود وتحضره بعد يومين حين حلت إحدى بناتها ضيفة علينا , كانت الدموع تطفر من عيني وأنا أشم رائحة قليه فأعض على الوسادة بوحشية لكي لا ينط لساني من فمي ، وبعثت لي قطعا منه مع أحد الأطفال فرددته عليها لأني كنت قد أقسمت ألا أتذوقه . تصوري مثل هذه الماكرة تصدر الأمر :
لن تغادر البيت حتى تلد .
وأذعن زوجي لأمرها , لأنه لم يكن في الواقع غير دمية كبيرة تحركها كما تشاء وفي الاتجاه الذي تريد . وازدحمت علي المآسي وأنا أرتطم بكل هذه الصخور وتساءلت مقهورة :
أي رجل هذا الذي تزوجت ؟ وأي نوع من البشر هؤلاء الذين حللت بينهم ؟
كنت أنتظر أن تنهي حماتي زيارتها المفتوحة وترحل عني, ولكنها أبت أن تتحرك, كانت تعود إلى بيتها لتوزع المهام على الجواري من كناتها اللواتي وقعن تحت سيطرتها , ثم توصي بناتها وتعود في نفس اليوم , لأنه لا ينقضي نهار من غير أن يطرق بابنا ضيوف من أقاربهم، وأحيانا تجيء سيارة جماعية تفرغ حمولتها من الخلائق بعضهم مرضى تتوقف مدة إقامتهم عندنا على عدد الحقن التي يمنحها الطبيب .. وفقدت صلتي بالبشر وبالحياة وصرت أحس نفسي وحيدة في هذا العالم بعد أن فقدت إحساسي بالاتجاه أيضا , فقد كنت أعود من عملي بلا عقل , بلا روح كمن يسير في نومه لا أعي ما يدور حولي , لا أرى شيئا , لا أسمع صوتا واجمة منكسة الرأس وأنا أتمنى أن لا أصل ذلك البيت أبدا , ولكنني أصل وأدخل غرفتي فأنكفئ على فراشي محتضنة جسدي بذراعي وأنا أحدق في فضاء الغرفة بعينين لا تبصران , وأفكر في الفتيات اللواتي يتزوجن رجالا بحق , ويدخلن عالما جميلا ينبض بالحياة , فتتجلى السعادة على وجوههن , وتلتمع الفرحة في عيونهن ، وتنساب في أصواتهن وهن ينعمن بالهناء والدفء والهدوء والحب . وسرعان ما يخرجني من هذا العالم الجميل صخب الأطفال وهم يهرولون في كل اتجاه ويخبطون بأقدامهم على البلاط , وحماتي لا تحرك ساكنا بعد أن دالت لها دولتي وتخليت لها عن عرشي , حين عجزت عن تدبير شؤون هذه القبيلة ، ولأنهم اتفقوا على أني لا أحسن الطبخ ، صرت أتناول طعامي في المستوصف ولا أشاركهم الأكل إلا نادرا فصارت حماتي تتصرف كما لو كنت غير موجودة .
وفاجأني المخاض فأسرعت إلى المستشفى , كان هو غائبا , وكذلك هي .. وبكيت ليلا حين ولدت طفلي وأضر بي الجوع والكل نيام .. وبكيت صبحا حين ضحكت مني نزيلات المستشفى متفكهات :
كل هذا الهوان وهو صبي , فكيف لو كان بنتا ؟

انزل للتكملة


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 7:23 pm


تكملة :
كان من المفروض بعد هذه المهزلة ألا أعود إليهم , ولكن قوة خفية تشدني إليهم فأجد نفسي طوع إرادتهم , مغلوبة على أمري , لا أملك فرصة الخيار ولا أستطيع أن أرفض الأوامر , فأشعر بالضيق والاختناق لأني لا أطيق الوضع وبالتالي لا أقدر على تغييره .
لسوف يتضاعف الصخب غدا حين يتدفق أهله على البيت مهنئين رفقة أبنائهم العديدين ولن يغادروه إلا خاويا من كل مؤونة , وستجد حماتي المناسبة التي تستقدم بها بناتها وهي التي تحدد المدة التي يجب أن يقضينها عندنا , وأخشى أن تسقط بنا الشقة ويجد الجميع أنفسهم في المستوصف .
وانفجرت في نوبة من الضحك لم أستطع أن أسيطر عليها حتى قالت تقاطعني :
نسيت أن أسألك , هل تفهمين حديث العيون ؟
وتساءلت وأنا أحاول أن أتمالك نفسي من الضحك :
عيون المحبين ؟
فقالت بجدية :
لا , بل الحديث الذي يجريه بعض الناس بعيونهم بدل ألسنتهم , أقول لك , في الأول لاحظتهم يتبادلون نظرات غريبة, ثم فهمت أنهم يتحدثون بأعينهم وبملامح وجوههم , فهم يتساءلون, يتأسفون , يتألمون , يستغربون , يختلفون ويتفقون, يمتعضون ، وأنت جالس بينهم لا تدري أنك محور حديثهم .. ولأني أجد نفسي محاطة بالغربة أفضل الانسحاب إلى غرفتي تاركة لهم المجال , ولكن تصرفي هذا بدل أن يربح حماتي يثيرها , فتتهمني بالتكبر والانطواء , والحقيقة أنهم لا يشاركونني في أحاديثهم ويرفضون مناقشتي ولا يستمعون إلا لبعضهم ، فأجد نفسي غريبة ضئيلة ليس لي كيان ولا قيمة خاصة حين يتواطأ ون ضدي ويقاطعونني وأنا لم أكمل حديثي الذي يجدونه ثقيلا على أسماعهم باستمرار , حاولت أن أمد جسرا مع أحدهم ولكنهم أبقوا علي وحيدة أتخبط في ذلك اليتم بعد أن جوبهت بكل هذا الإهمال .. عشت بينهم عشر سنوات لم يفتح لي خلالها أحد صدره , ولم يبح بأي سر من أسراره , أو استشارني في أي أمر من أموره , أنا الآن أحس نفسي خارج دائرة الزمن . أسكن جسدا لا أملكه,لأني أرضخ لمطالب تتلف الأعصاب ، وأستغل من طرف الجميع بطريقة لا يقبلها عقل ، لقد أهدرت آدميتي وأنا أنفذ الأوامر مكرهة , لقد خربت روحي وصارت حياتي ملفقة أخدع بها أهلي الذين قتل حبهم في قلبي لدرجة صرت أتمنى ألا يزورني أحد , حتى لا يثير تواجده جانبا مخيفا في حماتي , فهؤلاء الناس يكرهونني ولا يحبون إلا أشيائي التي استباحوها , وعبثوا في خصوصياتي يرتدون أثوابي , ينتعلون أحذيتي في حضوري وفي غيابي , يقتحمون غرفتي وينهبون ما يروق لهم , يقلبون الحائطية في كل مرة عاليها سافلها , ولست أدري عن أي كنز ينقبون؟ .. وصرت أستحي من النظر في عيني والدتي حين شعرت أنني لم أعد أحبها وهي التي ضحت بعمرها لأجلنا حين تعلقت بحبل الصبر واحتمت بجدار الصمت والحزن يقهرها , بعد أن خذلها أهلها وتخلوا عنها حين رفضت أن تفرط في تاج الأمومة وتتزوج, ولما تأكدت أن الفرح لن يأتيها وهي منفية وحدها , تفرغت للعبادة ، وحب الله ؛ تسافر بعينيها الساحرتين في ملكوته فتنسى حاضرها المثقل بالأحزان وتتحد مع الكون وديعة تصلي كقديسة فيصير وجهها آية من آيات الجمال لا يبوح بسره إلا لمن يتذوق الحسن .
ويطوح بي الشوق فيغزوني وجه " زهور" الذي أحاول أن أغلق عيني عنه , ولكنه يزداد ارتساما في ذاكرتي وتنفتح نافذة اللوعة فأكاد أختنق بالعبرات ولكني أخشى البوح ولا أستطيع أن أحدث أحدا بما يجيش في صدري لأنهم لا يحبونني، لا يحبون – زهور، لا يحبون أحدا من أهلي صرت لا أراها على مدى شهور وأكتفي بالسؤال عنها من بعيد .. من كان يعتقد أنني أصبر عليها كل هذه الفترة ؟ .. من الذي أزاحها عن طريقي وأبعدها عن عيني ؟ من الذي استأصلها من صدري , أم أن قلبي هو الذي بيع في مزاد غير علني؟.. آه لو يعيدونني إليها فأستنشق عبيرها وأمرغ وجهي على صدرها وأدفنه في ثنايا ثوبها .. من الذي قتل عاطفتي نحو جدّيّ فصرت أتمنى ألا يزورني أحد منهما, وأنا لولاهما لما كنت شيئا يذكر؟ .. كيف استطعت القسوة عليهما في مثل هذا المنفى حيث الصحراء في رأسي , وفي صدري , وأمامي وخلفي وعلى كل الحواف ؟.. كم من الوقت يمضي وأنا أفكر فيهم , ولكنني لا أقدر أن أفعل شيئا, لقد احتل قلبي من طرف غرباء لا أحبهم ، فألتوي تحت سياط القهر, أقف على حافة الانهيار, أتلمس موقع قدمي وأنا أمشي على الشوك , بعد أن سلبت مني إنسانيتي وسيطرت علي قوة شيطانية سامتني العذاب وجعلتني أختنق بالليل . ولكني لا أستطيع أن أرفع عيني في وجوههم , أن أتمرد عليهم , فأحس بكل خيبات العالم تحط على قلبي بعد أن قطعوا صلتي بأهلي دون ضجيج وصيروني روحا هائمة أحيا بلا ماض , بلا أهل , بلا ذكريات , مقتلعة من كل
الجذور ولا أملك في الدنيا غير عينين صالحتين للبكاء..سمعت عن تعرض بعض الناس لإيذاء الجن والعفاريت رأسا أو عن طريق إنسان آخر، ولكن لم أتوقع أبدا أن أمر بهذه التجربة الفظيعة لأصبح مثل هذه المرأة المدجنة التي لا تعرف كيف
تقول : لا.
عشت حياتي أدرس وأعمل وأنا أزهو بإنسانيتي وأفتخر بمنصبي وأتباهى بأنوثتي, وحين كبرت صرت أحلم برجل أحبه ، أبني معه بيتا وأنجب أطفالا وأكمل بقية عمري وتقدم زوجي لخطبتي حين عاد من الخارج ليعمل معي في المستوصف , أعجبني شكله في البداية وحين علمت أن امرأة أخرى سبقتني إليه تراجعت من غير أن أسأل عن أسباب الانفصال. وحضرت أمه ذات مساء فأدخلها علي وأشار ..
- هذه هي..
قال ذلك وانسحب.. تأملتني المرأة بنظرة طاعنة فتملكني شعور رهيب وأنا أرىعينيها البراقتين تخترقان جسدي .. كنت أريد أن أذكرها برفضي له , ولكني سكتت , وتقدمت مني باسمة فرفعت يدي وأخذت تتأمل خاتمي الثمين , وفجأة أحسست برعشة طاعنة هزتني ، وشعرت المرأة بي حين انتفضت فتركت يدي بعد أن استولت على عقلي وكياني وانهار كل ما بداخلي , وماجت في رأسي الأفكار خلال هذه اللحظات المشحونة بالتوتر, وحين استرجعت بعض وعيي كانت قد غادرت المكان، فغمرني الغموض وأحسست بالضياع، واجتاحتني الرغبة في الركض خلفها والصراخ بملء صوتي :
ـ خذيني معك يا امرأة ، فأنا وحيدة وليس لي أحد في هذا العالم غيرك .
وانتفض في صدري مارد ،و زايلني التردد فهمست لنفسي بإصرار :
ـ سأتزوج ابنها .
وأكّدت لها :
ـ يجب أن أتزوجه .
وأطلعت أهلي على قراري الجديد فاستغربت والدتي وبدا على وجهها عدم الاقتناع وهي تقول :
ـ لكنك أبلغته رفضك من قبل .
و اضطربت في عيني جدتي الحيرة فتساءلت مرتابة :
ـ لم غيرت رأيك ؟ ما الذي جد ؟
صباح اليوم التالي ارتديت أجمل فستان اقتنيته ، وتطيبت بأغلى عطر امتلكته ، وغيّرت تسريحة شعري وزغردت بخطواتي نحو المستوصف وأنا أرسم على شفتي ابتسامة صباح مشرق والفرحة تنطّ بداخلي بعد أن تفتّحت شطآن قلبي على حبّ رجل ، وبمجرد أن رأيته حتى ألقيت في وجهه بموافقتي ، فبدا لا مباليا وقد أولاني ظهره وقال شامتا :
ـ لقد رفضتني من قبل .
ـ غيرت رأيي .
ـ لست مجبرة .
قال ببرود وهو لا يهتم لا بي ولا بموافقتي ، قلت وقد نفد صبري :
ـ متى يزورنا أهلك ؟
ألقى علي نظرة جانبية وهزّ كتفيه وقال :
- لا أدري .
وانتحرت على لساني بقايا الأسئلة ، واحترقت كلّ الأحلام في مملكة الأماني فأحسست بالغبن لأنّ كلّ ما فعلته لأجله لم يحركه ، ورغم ذلك عصفت بي رغبة جامحة نحوه جعلتني أتعلّق به حدّ الوله ، بل صرت أسعى لامتلاكه فأتربّص به لأكون قريبة منه ، وأمسيت أحوم حوله كذبابة وألاحقه مثل كلبة .. كنت أحتقر الفتيات اللواتي يلاحقن الرجال وأصبحت مثلهن ، بل أضحيت أتعجّل حلولي بين أهله وأعدّ النهارات والليالي على أصابعي .
ما الذي جرى لي فغيّر رأيي ؟ ..
أي نوع من النّاس هؤلاء ؟..
وماذا فعلوا بي حتى قلب كياني بهذا الشكل ؟..
لقد صرت تابعا لهم بل أمسيت أحسّ بوجود قرين معي ، شيطان يركبني صحيح أنني لا أراه ولا أسمعه ، ولكني أحسّ به ، لقد أوقعني في الأرض أكثر من مرّة أغضبتهم فيها وأوقع علي أشياء حين أسأت لهم في القول .
لا يمكنك أن تتصوري الهلع الذي يتملكني وأنا أتأمل عيني حماتي لأني أعرف أنها قادرة على فهم ما يجول في خواطر الآخرين ، قادرة على قراءة أفكارهم ، عيناها اللّتان تقولان لي :
- لقد تملكتك ، لففت أصابعي حول شعرك لكي لا تسعي للإفلات ، سأدجنك حتى أجعلك تتصرّفين وفق إرادتي .
وهبّت عصفة ريح فجّرت أسلاكا وأواني فارغة ، وشدّ انتباهي عصفها فاعتقدت أني صرفت نظري عنها فقالت بنغمة مشفوعة بالتّوسل والإقناع .
- إن الأحداث التي في ذهني من الصّعب تصديقها ، ولكنها الحقيقة وأنا اخترتك فيجب أن تصدقيني ، وإلاّ فإني سأعمد إلى شتمها الآن وسترين كيف ستهوي الثـّريا على رأسينا أو تنشق بنا الأريكة أو يحدث ارتطام مفاجئ يهزّ النافذة فيتناثر زجاجها شظايا تفرقع في كلّ أرجاء الغرفة.
وصرخت أرجوها :
ـ لا تفعلي من فضلك ، لقد صدقتك ، ولم لا أصدّقك ؟
وانطلقت من صدرها آهة فضربت كفا بكف وواصلت متحسرة :
ـ لماذا ارتضيت مثل هذا الزوج ، وفضلته على سواه ؟ لقد كنت مطمع الرجال الممرضين والأطباء وحتى المرضى وزوارهم، والجرحى المصابين في حوادث المرور .. لماذا رفضت كلّ الذين توافدوا على بيتنا طالبين ودي ، وكلّ واحد أفضل من الآخر ؟ هل لأني كنت ساذجة قليلة الخبرة ؟ ولماذا وافقت على هذا " التيس " بمجرد أن تقدم يطلب يدي ويعرض علي الزواج ؟ هل لأني وجدته متفتحا لا مباليا ؟ أم لأني كنت أشكّ في سلامة عذريتي بعد الاعتداء الذي حصل لي في طفولتي ؟ أم أمه هي التي مارست علي دجلها يوم أن زارتني في المستوصف فتمّ كل شيء بسرعة جعلتني أقصر عن فهم نظرته للحياة ؟ .
واكتشفت بعد الزواج أنّ من ضحيت لأجله بكل أولئك الرجال لم يكن في الواقع غير شخص أناني ، يحبّ نفسه إلى أبعد حد، مزهو بنفسه ، طائش طيشا ليس مبررا في أعين النّاس الذين صاروا ينقلون إليّ كل ما يرونه عليه . وصارت العيون ترمقني بإشفاق ، ثمّ تطورت إلى سخرية وشماتة حتى صرت أتمنى ألا ألتقي بأحد في طريقي . كل هذا جعلني أشعر بالنّدم على ارتباطي به فهو لا يهتم بي ولا بمشاعري ولا بوجودي في بيته ، يخالط شلة من الأصدقاء غير الأسوياء ، يذهبون إلى أماكن مشبوهة رفقة ساقطات ولا يعودون إلاّ بعد منتصف الليل ، ولكن ما إن ابلغه بكل ما أسمع حتى يهب في وجهي .
ـ لا شيء ينقصك يا امرأة.
و يفترسني الغضب وأتمنى أن أصرخ .. أن أبكي .. أن أحطم كلّ ما يقع تحت يدي .. أن أنتقم من نفسي التي ضيعتني ولكني ألتزم الصمت لأني سلبت القوة التي كان يجب أن أواجهه بها فالثورة ليست من حقّ الضّعيف ، بل هي من حق القوّي القادر على التغيير، والذي يملك إرادة غير إرادتي المستلبة، وأعود إلى الاستكانة والهدوء وأنصحه أن يسلك الطّريق السّوي ويبتعد عن أصدقاء السّوء ليتفرغ لبيته وأطفاله، ولكنه لا ينتصح ، فغادر قلبي بالتدريج حتى بت أكرهه ، صرت أنظر إليه بازدراء بعد أن عافته نفسي وصار جسدي يرفضه .. لقد تمنيت أن يلتقي بالمرأة التي تستولي عليه وتريحني منه إلى الأبد ، ولكن يبدو أنه لم يكن هناك مكان آخر يأوي إليه ، فأجده إلى جواري كلّ ليلة .
عندما رآه جدي أوّل مرّة استطاع بفراسته أن يستشفّ أحواله ويفهم طباعه فقد بدا غير مقتنع بكذبي وسألني :
-هل أنت مرتاحة حقا مع هذا "الخنزير البري "؟ ثم أضاف :
ـ لو تزوجت كافرا وأغريته بالدخول في دينك لنابك من ذلك ثواب الآخرة وعشت معه حياة أسعد .
فكيف عرف جدّي أنّه مارق ، وأنا لم أخبرهم بعدم تأديته لأي قاعدة من القواعد الخمس للإسلام ؟ فهو محسوب على المسلمين ظلما ، خاصة حين يتبجّح بأنه لم يسجد لله مرّة واحدة في حياته ، ولا يصوم أيضا ، كنت أشكّ فيه من قبل حتى ضبطته أكثر من مرّة يأكل في وضح النّهار من رمضان وهو في كامل عافيته ،ثم جدّي بالذات يجب ألاّ يعلم كل ذلك، لأني رفضت أكثر من رجل عرضه عليّ ، لقد زوج " زهور " الأمية من رجل لا تعرفه ، وهي تعيش سعيدة معه ، بينما أنا ولأني متعلمة ترك لي فرصة الاختيار ، وليته تولى مهمة تزويجي لأحمّله مسؤولية المشاكل التي أتخبط فيها، والجحيم الذي أكتوي داخله فأنا أعود إلى أهلي مثقلة بالهموم مختنقة بالقهر، ولكنني أجتهد في أن أداري انكساري لأوهمهم بسعادتي ..لو عرفوا ما أعانيه لما أبقوا عليّ يوما واحدا في ذلك البيت الذي صار مرتعا لكل أفراد العشيرة المرضى قبل الأصحاء ، لذلك قررت أن أنفرد بحزني رغم أنّ هذه الأمور لا توجب السكوت ولا التّسامح فأحسّ بالقهر وأصاب بالأرق ، وتبيت عيناي شاخصتين بالسقف في رهبة الليل .. لقد قامرت ، وغامرت بشبابي وراهنت على الفوز فخسرت ، لذا يجب أن أتحمل النتائج وحدي ، رغم أن أغلبها لا يحتمل ، فأنا لا أدري مثلا لم أرضخ لمطالبهم وأوافق على تصرفاتهم ، رغم أن أكثرها يتعارض مع مصلحتي ، منها رغبته في الالتحاق بالمستشفى الجامعي من أجل الترقية ، فقد حاولت أن أثنيه عن عزمه ، أن أمنعه ،ولكني فشلت ، فصرت أعزي نفسي بإمكانية حصوله على سكن في المدينة يبعدني عن أهله ويريحني من مرضاهم ولكن الذي حدث ـ تصوري ـ أنه رحل وتركني أواجه مصيري بمفردي مع أناس غرباء عني ، خاصة حين ألحق أبناءه وإخوته بالمدارس ووزعت أمه إقامتها بين بيتها وبيتي ، وصارت تتدخل في شؤوني بطريقة سمجة تجعلها تتعرف على أدق التفاصيل في حياتي ، بل لا تؤدي الصلاة إلاّ في غرفة نومي التي تقتحمها بلا استئذان ،وبعد أن تنتهي تفتح الحائطية وتنقب بين ملابسي ، فإذا فاجأتها سألتني عن جديد فساتيني ونوعية دواخلي وألوان سراويلي وعدد قمصاني ، والغريب في الأمر أني ألاحظ اختفاء بعض الأشياء ، ولكني لم أتجرأ أن أسأل عنها خاصة حين قالت لي :
ـ كل شيء هنا يجب أن يسير وفق إرادتي ، يعني ما أريده يكون وما أرفضه لا يكون .
وانتهزت الفرصة وصارحتها بتصرفات ابنها علها تساعدني على تقويمه ما دامت تمتلك مثل هذه القوة الخارقة ، في الأول طمأنتني ثم غيرت جلدتها كالحرباء وراحت تعدد محاسنه وتبرر نزقه حتى كادت تجعل منه وليا صالحا يستوجب التبرك به ، وندمت على استعطافي لها لأنّ ذلك زادها تجبّرا .
و في غمار هذا القلق والتوتر حملت بطفلي الثاني فازدحمت عليّ الأهوال وتراكمت الأحمال وصرت كالقارب الذي يتقاذفه الموج ، وباغتني المخاض فاتجهت نحو المستشفى بمفردي ، ولولا وجود الدفتر العائلي بيدي لما صدق أحد أنّ لهذا الطفل أب . وأيّ أب هذا المتغيب باستمرار والذي لا يتسلمنا إلا في آخر المحطات ؟ خاصة بعد التحاقه بمنصبه الجديد في المستشفى الجامعي حيث صار يتكبر عليّ ، ولا يخاطبني إلاّ بنوع من العجرفة والتعالي ، وهو يعلم أني متفوقة عليه في عملي وفي راتبي ، وأني محل إعجاب المسؤولين ، أنا التي اقترح اسمي للتربص ،ولكنه أبلغهم عدم استعدادي مقدما شهادة ميلاد طفلي فأقنعهم وحصل على التربص بدلا مني ، وصار لا يدخل البيت إلا في آخر الأسبوع وفتح له هذا المنصب أبوابا كانت مغلقة من قبل، فاعتقد أني تجاوزني الزمن وبدأ يتنكر لي ، رغم أنه تسلق مجده على كتفي ، وعرفت بعد ذلك ما آلمني وعذبني عندما صار على علاقة بأكثر من امرأة في وقت واحد، وبذلك خلق له أجواء أخرى في عوالم أخرى اجتهد في أن يجعلني لا أفكّر في غزوها أبدا بعد أن أقام بيننا أسوارا عالية وأطال في المسافات ، فتأكد لي بما لا يدع مجالا للشك أنّ قافلتهم يجب ألا أسير في ركبها ،و أن أرضهم لا يمكن أن أغرس فيها أبدا رغم أنهم لعبوا بعقلي وجعلوا القلق يتسرب إلى كياني حين أكون بعيدة عنهم .




كانت الشّمس ترتع وسط السماء حين استفقت من غفوة ، وجفلت عندما سمعت دقا على الباب وأنا بمفردي ، فقررت ألاّ أفتح الباب خشية أن يكون القادمون رجالا لا أعرف كيف أتصرف معهم ، ولكن عندما عاود الطارق القرع بلطف، تأكدت أنه صادر من يد امرأة ففتحت الباب لأجد إحدى قريبات حماتي تقف في مواجهتي :
ـ إنها غير موجودة . قلت لها .
ـ أريدك أنت . قالت وهي تريني حقنة :
أدخلتها البيت واقترحت لها مكانا للجلوس، ولكنها فضلت المقعد المواجه للنافذة ، وبعد أن اطمأننت عليها اعتذرت منها لأتمكن من إنجاز بعض الأمور . وعندما رأتني أنوء تحت وطأة الحمل الثقيل وقد أضناني التعب وغير الكثير من ملامحي ، حدقت في بكآبة وسألتني عن السبب الذي دفعني للزواج من هذا الرجل الذي رفضته أميات القرية قبل المتعلمات فقلت وقد أيقظت في صوت الضمير حين أحسست أنها الإنسان الذي يمكن أن أفضي له بما في صدري
ـ ماذا أقول لك ، فرض علي وضع لا أطيقه وبالتالي لا أقدر على تغييره فأحس بثقل في قلبي يهدني
فقالت بلهجة الواثق من كلامه :
ـ أتعرفين لماذا ؟ قلت باستغراب :
ـ كلا .. أجابت بهدوء :
لأنك وقعت تحت رحمة دجالين لا يمكنك التخلص من سطوتهم ، لذلك أنصحك بعدم التفكير في الاستحواذ على ابنهم لأن أمه لن تمنحه لك أبدا ، بل ستتصرف معك كما فعلت مع اللواتي سبقنك إليه .
وتساءلت باستغراب :
ـ أواه .. وهل هنّ أكثر من واحدة ؟
حرّكت رأسها وأجابت بحسرة :
إنهنّ أكثر من ثلاث أيتها الحكيمة ،وأطفاله ليسوا أشقاء ،ومن حسن حظ البعض أنهنّ هربن قبل أن يتورطن بالإنجاب .
سألتها بلهفة :
ـ ولماذا يهربن ؟
ابتسمت مرتبكة وبدت غير مستعدّّة لكي تروي عن أشياء تبدو غير منطقية ،ثمّ قالت بعد تردد :
ـ حماتك يا ابنتي تغار من كلّ امرأة يتزوجها ابنها ، فيدفعها مكرها لإطفاء رغبته نحوها ، فأيّ امرأة في وسعها أن تجتذبه إليها وأن تنسيه زوجته التي تتضايق من وطأة الإهمال ، فترحل لتفلت بما تبقى لها من شباب وتكمل حياتها وهي تعتقد أنّها انتصرت عليهم حين فازت بجلدها ، بينما يستولون هم على كلّ تركتها من أثواب وأغراض وحاجيات وفرش وحتّى الأطفال إن شئت .
ثمّ أضافت ناصحة:
إن كنت تعتقدين أنّه رجلك فأنت مخطئة ،وإن كنت تعتقدين أنّك متزوجة من رجل فقد خدعك سرواله ، فالرجل هي أمه وأنت في عصمتها وملك يمينها ، ولو أرادت أن يطلقك اليوم لما بتّ في داره حتّى لو أنجبت له أحد عشر ذكرا .. إنه ابنها وسيظل لها ..يتزوج من شاء من النساء ولكنه لا يحبّ غبر امرأة واحدة هي أمه .
ـ إنه لا يحبها ،بل يخافها .
ـ فسريها كما شئت ، ولكن جربي أن تطلبي منه شيئا سبقتك لمثله هي وسترين طلب من يلبي وطلب من يرفض .. جرّبي أن تخرجي معه وانظري كيف يطأطيء رأسه ويتوارى من النّاس حياء بك رغم جمالك وأناقتك ،وانظري إليه حين ترافقه أمه كيف ينفخ صدره كالديك ويشيمخ برأسه كأنما هو في حضرة سلطانة .
وتذكرت أنني كنت أطلب منه الشيء فيرفض ، فإذا قلت له أنّها رغبة أمّه أيضا ، تراجع من غير حياء تاركا لي حرية أخذ القرار .
وحكت لي عن مغامراته مع النساء والفتيات من غير تمييز، عاملات منظفات ، طالبات وممرضات .. فقاطعتها :
- ولماذا انحلّ خلقه دون كلّ شباب قريته ؟ . فأجابت بأسف :
ـ لقد كان منذ صغره طائشا ، ولكنه عاد من الخارج فاسقا ، وكلّ النّاس يعرفون أنّه يرقد على مبالغ .. وقاطعتها مرّة أخرى :
- عن أيّة مبالغ يتحدثون ،وهو يعدّ على أصابع يده ، حتّى أقبض مرتبي .
- ربما خسرها على نزواته ،أو أنفقها على خليلاته ، المهم لم يغترّ أحد بماله ولم يجرؤ أن يزوجه ابنته رغم أنه طلب أكثر من واحدة ، ربما لأنهم ليسوا متأكدين من نسبه ، فقد حملت به أمه من رجل وعدها بالزّواج ونسبته لزوجها الذي نقلت إليه بعد شهرين وادّعت أنه ولد في شهره السّابع .
و بعد أن سمعت عنه كلّ هذه الأعاجيب نفضت يدي منه، لأني تأكدت أن العهر يسري في دمه رضعه في حليب أمه، ولن يصبح إنسانا سويا أبدا والأفضل لي أن أنسحب بهدوء. وبعد أن حقنتها مدّت يدها إلى جيب سترتها وأخرجت خمسة دنانير ، رفضت أخذها فاستغربت قائلة:
ـ ولكن حماتك تأخذ المقابل منا ، فلماذا تمتنعين أنت ؟
قلت لها :
أنا ما تعودت أن آخذ غير مرتبي ،ولقد أقسمت على ذلك يوم أجرت والدتي عملية جراحية خطرة ، ثمّ أنّ حماتي لا تكتفي بثمن الحقن ولكنها تشغل من يتجرأ على زيارتنا ـ عدا بناتها ـ فهي بمجرد أن يدخل الضيف البيت حتّى تتأمله وهي تقلّب الأمر في رأسها :
-( هذه البهيمة لأي شيء تصلح ؟ وفي أي شيء يجب أن تستغل في الحرث أم في البذر أم في الحصاد ؟ في الكنس أم في المسح أم في الغسيل ؟ )
وهكذا يتحول الضيوف عندنا إلى خدم بكلّ بساطة ، أم أنّك تعتقدين أنها تمنحهم الإقامة لوجه الله .
و سألت المرأة عن الساعة وقالت :
يجب أن أذهب الآن ،وأتمنى أن تعملي بنصيحتي ، فأنا أكبر منك وفي مقام أمك .
و انصرفت بعد أن فتحت عيني على الكثير من الأمور ،
فتكومت على مقعد الحسرة ساهمة أفكر وقد غزت الهموم رأسي ، ونظرت إلى بعيد فضاقت بي الدنيا وضقت بها، وأنا أعجب للأقدار التي خذلتني بهذا الشّكل ورمتني بوحشية رغم أنني ما قصرت في حق أحد ولا أسأت لأحد .. لقد كانت مهمتي صعبة أحيانا ، ولكنني كنت أقدس مهنتي فأعكف على عملي من غير هوادة ، بحيث لا أترك متسعا من الوقت لغير الجد فاكتسبت ثقة الجميع ، وفتحت أمامي أبواب أدخلها متى أشاء وأخرج منها متى أريد ، بعد أن اطمأن إليّ الكبار قبل الصغار ، وأنا أوزع اهتمامي على المرضى وأحاول أن أزرع في صدورهم الأمل .. لقد حنوت على الضعفاء كما تحنو الأمّ على صغارها .. لقد تصدقت على الفقير من غير أن يعلم من كان إلى جانبه .. لقد ساعدت كلّ من طلب مساعدتي ونصحت كلّ من التمس مني النصح ، فلماذا أكافأ بهذه الطريقة القاسية وأبتلى بمثل هذا الامتحان العسير؟!..
لقد ضيعت حياتي ، فلم أعد أحلم، لم أعد أتمنى ، فقدت القدرة على الاستمرار ، لم تعد لدي قابلية للخنوع ، ألمح وجهي في المرآة فأكاد أهرب من صورتي ، ولا أدري ما إذا كنت أنا التي أنكر وجهي, أم وجهي هو الذي ينكرني بعد أن صرت أحس نفسي ضفدعة تنقّ في مستنقع جاف .. لقد تحطّم كبريائي فلم أعد أستطيع أن أكابر أكثر مما فعلت , ولا أستطيع أن أحافظ على برودة أعصابي وقلبي أكثر مما حافظت , لقد كذبت على نفسي كذبة كبيرة أتعبتني وجعلتني أخطو على الجمر حافية في المتاهة التي لا مخرج منها, ولأن الوضع الخطأ لا يمكن أن يستمر , ولأني لا أستطيع أن أقبل بالأمر الواقع أكثر مما فعلت , فأنا الآن أريد أن أسترد ذاتي , إنسانيتي , كرامتي حريتي , وإنني أتمنى أن يموت الماضي الذي عشته بعد زواجي وأدفنه حتى لا يجول في خاطري أبدا .. أريد أن أقتلعهم من ذاكرتي واحدا، واحدا واستريح منهم إلى الأبد .. أنا الآن أعلن فشلي وأشهر عجزي عن تحقيق أي حلم من أحلام طفولتي وشبابي ، لقد يئست من الدنيا ولم أعد آمل فيها شيئا .. إنني أبحث عن درب للهرب لذلك أفكر جديا في طلب الطلاق ، ويجب أن أحصل عليه لأغادر ملجأ الأيتام الذي تمارس فيه حماتي تحيزها المفضوح لأولادها دون أحفادها رغم تقاربهم في السّن .. يجب أن أغادر تلك العشيرة الملعونة التي يتعاطى بعض أفرادها السحر أو الشعوذة أو التنجيم ،ويتعاملون مع الشّياطين أو الجنّ أو العفاريت ، أنا التي ربطت مصيري بهم وأنا التي يجب أن أفكّ الرّباط لأنه لم يعد لي أمل فيهم .
قلت لأطفئ من فورة حماسها ولأفتح عينيها على الواقع:
ـ طلبك الطلاق يسمى في قانون الأسرة " خلعا " وهو يفقدك كلّ حقوقك .
فانبرت للرد بسرعة وقد تسابقت الكلمات على لسانها :
وأيّة حقوق ترجى من مثل هؤلاء المخادعين ، أنا لا أريد منهم شيئا غير حريتي لأغادر لعنتهم .. لن أضيع نفسي كما فعلت والدتي من قبل ؛ لذلك قررت أن أسلمهم الطفلين بل سأوصلهما إليهم كما فعلت تلك التي سبقتني لتمارس عليهما والدته تحيّزها المفضوح .
-أتعرفين لماذا ؟
قلت باستغراب :
ولماذا مادامت الحضانة من حقّك ؟
لأني أخاف إذا احتفظت بهما أن يؤذوهما فيصابان بأمراض يعجز الأطباء عن تشخيصها فما بالك بالعلاج ..لقد رأيت المواجهة معهم خاسرة ، لذلك قررت الانسلاخ عن عالمهم بهدوء لأسقطهم من ذاكرتي .. أريد أن أفرّ من الجحيم الذي دخلته برجلي علّهم يستردون عفريتهم الذي يطاردني في كلّ زمان ومكان ، في اليقظة والحلم والذي ينتقم مني إذا أنا حاولت أن أثبت وجودي وإنسانيتي . ثمّ أضافت بأسف بالغ :
لقد كنت مثار إعجاب الآخرين بقوة شخصيتي واتزاني ورجاحة عقلي وطلاقة لساني ، أنا الواثقة من نفسي ، الواثقة من حسن أدائي لعملي ، الواثقة من احترام الآخرين لي .. لقد كنت ملجأ للزملاء الذين يحملون إليّ همومهم ..وأنا أنصحهم كأنني عشت كل التجارب والأحداث ..
أنا التي أحلّ كلّ مشكل يقع في الجناح الذي أتواجد فيه
أنا التي أكلف بمقابلة المسؤولين لأني أعرف كيف أقنعهم
أنا التي أقابل المدير باسم الجميع عارضة عليه مطالبهم ولا أخرج من عنده إلاّ والحل في يدي ..
أنا التي أقترح للحالات الطارئة والعاجلة والخطيرة فأشرف الفريق الطبي الذي أعمل معه أو الذي يعمل تحت إشرافي .
فما الذي حطّم نفسي وجعل مني مثل هذه المرأة المترددة المهزوزة التي تريد أن تتحدى أن ترفض ولكنها لا تملك في الأخير غير الرضوخ .. سأجن إذا بقيت على هذا الوضع أنتظر ذلك المغترب في وطنه يجود عليّ بالزيارة في آخر كل أسبوع ، بينما بيته يعجّ بالخلائق من مختلف الأصناف . ثمّ نظرت إلى ساعة يدها وهبت واقفة :
ـ يجب أن أذهب .
وددت أن أستبقيها ولكنها رفضت وانطلقت محدثتي مخلفة وراءها هذه القصّة التي قد تصلح للنشر .

تمت


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف زائر في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 9:04 pm


السلام عليكم ورحمة الله
بارك الله فيك على موضوعك المميز
جزاك الله خيرا وسدد خطاك
وجعله ربي في موازين حسناتك
تقبل مروري وفائق احترامي لشخصك الكريم
دمت بخير




زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 9:11 pm


شكرا للمرور بموضوعي


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف Arabian Star في الثلاثاء أغسطس 26, 2014 10:23 pm


موضوعك جميل جدا
ابدعت يا مبدع




التوقيع



Arabian Star
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

الدلو

عدد المساهمات : 13706

نقاط النشاط : 16547

السٌّمعَة : 79

بلد العضو :

العمر : 5


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف MoNiR-IsLaM في الأربعاء أغسطس 27, 2014 1:29 pm


انت الاجمل ياعسل


MoNiR-IsLaM
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 7168

نقاط النشاط : 9538

السٌّمعَة : 118

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف زائر في الأربعاء أغسطس 27, 2014 2:02 pm


شكرا لك


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف المحترف الذهبي في الخميس أغسطس 28, 2014 12:49 pm


المحترف الذهبي
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

الحمل

عدد المساهمات : 39162

نقاط النشاط : 44019

السٌّمعَة : 161

بلد العضو :

العمر : 21


http://www.pubda3m.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اوشام بربرية جميلة زنير

مُساهمة من طرف Rsmtek B8Lbi في الخميس أغسطس 28, 2014 3:19 pm


يعطيككَ العآفيةةَ #!


Rsmtek B8Lbi
عضو خبير
عضو خبير

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 1261

نقاط النشاط : 1453

السٌّمعَة : 18

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 4 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتدي الابداع العربي فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى