الصوفية: دراسة وانتقادات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الصوفية: دراسة وانتقادات

مُساهمة من طرف Ahmed Reda في الأحد أكتوبر 30, 2016 3:30 pm


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.


تقديم 

التصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي، ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص، فمال اليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد، ومال اليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب. فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم فِي طريقة القوم. ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفروعها وشرح أمورها وَاللَّه الموفق للصواب.

 كانت النسبة فِي زمن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الإيمان والإسلام، فيقال مسلم ومؤمن. ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عَن الدنيا وانقطعوا إِلَى العبادة، واتخذوا فِي ذلك طريقة تفردوا بِهَا وأخلاقا تخلقوا بِهَا، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة اللَّه سبحانه وتعالى عند بيته الحرام رجل يقال لَهُ صوفة، واسمه الغوث بْن مر، فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه فِي الانقطاع إِلَى اللَّه سبحانه وتعالى، فسموا بالصوفية.
أنبأنا مُحَمَّد بْن ناصر عَنْ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الحبال قَالَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الغني بْن سَعِيد الْحَافِظ: قَالَ سألت وليد بْن القاسم: إِلَى أي شيء ينسب الصوفي؟ فَقَالَ: كان قوم فِي الجاهلية يقال لهم صوفة، انقطعوا إِلَى اللَّه عز وجل وقطنوا الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قَالَ عَبْد الغني فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بْن مر بْن أخي تميم بْن مر ..
 قَالَ الزبير: وحدثني إبراهيم بْن المنذري عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عمران قَالَ: أخبرني عقال بْن شبة قَالَ: (قالت أم تميم بْن مر وَقَدْ ولدت نسوة، فقالت لله علي أن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت، فولدت الغوث بْن مر، فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وَقَدْ سقط واسترخى، فقالت: مَا صار ابني إلا صوفة، فسمي صوفة ..
 وَقَدْ ذهب قوم إِلَى أن التصوف منسوب إِلَى أهل الصفة، وإنما ذهبوا إِلَى هَذَا لأنهم رأوا أهل الصفة عَلَى مَا ذكرنا من صفة صوفة فِي الانقطاع إِلَى اللَّه عز وجل وملازمة الفقر. فَإِن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما لهم أهل ولا مال، فبنيت لهم صفة فِي مسجد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل أهل الصفة.
والحديث بإسناد عَن الْحَسَن قَالَ بنيت صفة لضعفاء المسلمين، فجعل المسلمون يوصلون إليها مَا استطاعوا من خير، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتيهم فيقول: السلام عليكم يا أهل الصفة، فيقولون: وعليك السلام يا رَسُول اللَّهِ، فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير يا رَسُول اللَّهِ .. 
قَالَ المصنف: وهؤلاء القوم إنما قعدوا فِي المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة. فلما فتح اللَّه عَلَى المسلمين استغنوا عَنْ تلك الحال وخرجوا. ونسبة الصوفي إِلَى أهل الصفة غلط، لأنه لو كان كذلك لقيل صفي.
وَقَدْ ذهب إِلَى أنه من الصوفانة، وهي بقلة رعناء قصيرة فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء. وهذا أيضا غلط، لأنه لو نسبوا إليها لقيل صوفاني ..
وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه.

وعبروا عَنْ صفته بعبارات كثيرة وحاصلها. أن التصوف عندهم رياضة النفس ومجاهدة الطبع، برده عَن الأخلاق الرذيلة وحمله عَلَى الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إِلَى غير ذلك من الخصال الحسنة، التي تكسب المدائح فِي الدنيا والثواب فِي الأخرى. والحديث بإسناد عَن الطوسي يَقُول: سَمِعْتُ أبا بَكْر بْن المثاقف يَقُول: سألت الجنيد بْن مُحَمَّد عَن التصوف فَقَالَ: الخروج عَنْ كل خلق رديء والدخول فِي كل خلق سني  ..
وعلى هَذَا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم فِي أشياء ثم لبس عَلَى من بعدهم من تابعيهم، فكلما مضى قرن زاد طعمه فِي القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إِلَى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن.
وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عَن العلم وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا فِي الظلمات، فمنهم من أراده أن المقصود من ذلك ترك الدنيا فِي الجملة، فرفضوا مَا يصلح أبدانهم، وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح، وبالغوا فِي الحمل عَلَى النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم عَلَى غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وَهُوَ لا يدري.
ثم جاء أقوام فتكلموا لهم فِي الجوع والفقر والوساوس والخطرات، وصنفوا فِي ذلك مثل الحارث المحاسبي.
وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بِهَا، من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق، وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. ثم مَا زال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم، ويتفق بعدهم عَن العلماء لا بل رؤيتهم مَا هم فيه أَوْ فِي العلوم حتى سموه العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر.
ومنهم من خرج به الجوع إِلَى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به. وهؤلاء بين الكفر والبدعة.
ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء من قَالَ بالحلول ومنهم من قَالَ بالاتحاد. وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا.
وجاء أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي فصنف لهم كتاب السنن، وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب فِي تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إِلَى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه عَلَى مذاهبهم. والعجب من ورعهم فِي الطعام وانبساطهم فِي القرآن. وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو منصور عَبْد الرَّحْمَنِ القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر الخطيب، قَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بْن يوسف القطان النيسابوري، قَالَ: كان أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا، فلما مات الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن البيع حدث عَن الأصم بتاريخ يَحْيَى بْن معين وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الأحاديث.

وصنف لهن أَبُو نصر السراج كتابا سماه لمع الصوفية، ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ..
وصنف لهم أَبُو طالب المكي قوت القلوب، فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إِلَى أصل، من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد، وردد فيه قول (قَالَ بعض المكاشفين) وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عَنْ بعض الصوفية (إن اللَّه عز وجل يتجلى فِي الدنيا لأوليائه) .. 
وجاء أَبُو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية، وذكر فِي حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة، ولم يستح أن يذكر فِي الصوفية أبا بَكْر وعمر وعثمان وعليا وسادات الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عنهم، فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بْن حنبل، وكذلك ذكر السلمي فِي (طبقات الصوفية) الفضيل وإبراهيم بْن أدهم ومعروفا الكرخي وجعلهم من الصوفية، بأن أشار إِلَى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يَزِيد عَلَى الزهد، ويدل عَلَى الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد، وَقَدْ ذموا التصوف ..
وصنف لهم عَبْد الكريم بْن هوزان القشيري (كتاب الرسالة)، فذكر فيها العجائب من الكلام فِي الفناء والبقاء والقبض والبسط والوقت والحال والوجد والوجود والجمع والتفرقة والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات والتجلي والمحاضرة والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والشريعة والحقيقة، إِلَى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء، وتفسيره أعجب مِنْهُ ..
وكان شيخنا أَبُو الفضل بْن ناصر الْحَافِظ يَقُول: كان ابْن طاهر يذهب مذهب الإباحة. قَالَ: وصنف كتابا فِي جواز النظر إِلَى المراد، أورد فيه حكاية عَنْ يَحْيَى بْن معين قَالَ: رأيت جارية بمصر مليحة صَلَّى اللَّهُ عليها. فَقِيلَ لَهُ تصلي عليها ؟ فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عليها وعلى كل مليح. قَالَ شيخنا ابْن ناصر: وليس ابْن طاهر بمن يحتج به.
وجاء أَبُو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الأحياء عَلَى طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطله وَهُوَ لا يعلم بطلانها، وتكلم فِي علم المكاشفة وخرج عَنْ قانون الفقه. وقال أن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إِبْرَاهِيم صلوات اللَّه عَلَيْهِ، أنوار هي حجب اللَّه عز وجل ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال فِي كتابه المفصح بالأحوال: إن الصوفية فِي يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إِلَى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
وكان السبب فِي تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار، وإقبالهم عَلَى مَا استحسنوه من طريقة القوم، وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت فِي النفوس مدح الزهد، وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم فِي الصورة ولا كلاما أرق من كلامهم. وفي سير السلف نوع خشونة. ثم أن ميل الناس إِلَى هؤلاء القوم شديد، لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد، وفي ضمنها الراحة والسماع تميل إليها الطباع.
وَقَدْ كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء.
وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إِلَى أصل، وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عَنْ بعض ودونوها، وَقَدْ سموها بالعلم الباطن. والحديث بإسناد إِلَى أبي يعقوب اسحق بْن حية قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن حنبل، وَقَدْ سئل عَن الوساوس والخطرات، فَقَالَ: مَا تكلم فيها الصحابة ولا التابعون.
.. وروينا عَن أحمد بْن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي فَقَالَ لصاحب لَهُ: لا أرى لك أن تجالسهم.
وعن سَعِيد بْن عمرو البردعي قَالَ: (شهدت أبا زرعة وسئل عَن الحارث المحاسبي، وكتبه فَقَالَ للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه مَا يغنيك عَنْ هذه الكتب. قيل لَهُ: فِي هذه الكتب عبرة. قَالَ: من لم يكن لَهُ فِي كتاب اللَّه عز وجل عبرة فليس لَهُ فِي هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بْن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمة صنفوا هذه الكتب فِي الخطرات والوساوس وهذه الأشياء، هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق. ثم قَالَ: مَا أسرع الناس إِلَى البدع).
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْدِ الباقي نا أَبُو مُحَمَّد رزق اللَّه بْن عَبْدِ الْوَهَّاب التميمي عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، قَالَ: أول من تكلم فِي بلدته فِي ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية: ذو النون المصري، فأنكر عَلَيْهِ ذلك عَبْد اللَّهِ بْن عَبْدِ الحكم وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة. قَالَ السلمي: وأخرج أَبُو سُلَيْمَان الداراني من دمشق، وقالوا أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه.
وشهد قوم عَلَى أَحْمَد بْن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء عَلَى الأنبياء، فهرب من دمشق إِلَى مكة .
وأنكر أهل بسطام عَلَى أبي يَزِيد البسطامي مَا كان يَقُول، حتى أنه ذكر للحسين بْن عِيسَى أنه يَقُول: لي معراج كَمَا كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معراج. فأخرجوه من بسطام وأقام بمكة سنتين، ثم رجع إِلَى جرجان فأقام بِهَا إِلَى أن مات الْحُسَيْن بْن عِيسَى، ثم رجع إِلَى بسطام.
.. وتكلم الحارث المحاسبي فِي شيء من الكلام والصفات فهجروه أَحْمَد بْن حنبل فاختفى إِلَى أن مات.
وَقَدْ ذكر أَبُو بَكْر الخلال فِي كتاب السنة، عَن أحمد بْن حنبل أنه قَالَ: حذروا من الحارث أشد التحذير. الحارث أصل البلية، يعني فِي حوادث كلام جهم، ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إِلَى رأى جهم، مَا زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابط أنظر أي يوم يثب على الناس.

فصل :
وَقَدْ كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل عَلَى الْكِتَاب والسنة، وإنما لبس الشَّيْطَان عليهم لقلة علمهم. وبإسناد عَنْ جَعْفَر الخلدي يَقُول: سَمِعْتُ الجنيد يَقُول: قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: (ربما تقع فِي نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل مِنْهُ إلا بشاهدين عدلين الْكِتَاب والسنة) ..
وبإسناد عَنْ عَبْد الحميد الحبلى يَقُول: سمعت سريا يَقُول: (من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط) .
وعن الجنيد أنه قَالَ: مذهبنا هَذَا مقيد بالأصول الْكِتَاب والسنة. وقال أيضا: علمنا منوط بالكتاب والسنة. من لم يحفظ الْكِتَاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به.
وقال أيضا: مَا أخذنا التصوف عَن القيل والقال، لكن عَن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات ..  وعن الجريري قَالَ: أمرنا هَذَا كله مجموع عَلَى فضل واحد، هو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم عَلَى ظاهرك قائما. وعن أبي جَعْفَر قَالَ: من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعده فِي ديوان الرجال.

فصل:
قَالَ المصنف: وإذ قد ثبت هَذَا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عَنْ العلم، فان كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم، إذ لا محاباة فِي الحق. وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هَذَا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر. فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة. ونحن نذكر بعض مَا بلغنا من أغلاط القوم، وَاللَّه يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل، وما علينا من القائل والفاعل، وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم، وما زال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط، ولا اعتبار بقول جاهل يَقُول كيف يرد عَلَى فلان الزاهد المتبرك به، لأن الانقياد إنما يكون إِلَى مَا جاءت به الشريعة لا إِلَى الأشخاص، وَقَدْ يكون الرَّجُل من الأولياء وأهل الْجَنَّة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله.
واعلم أن من نظر إِلَى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إِلَى مَا صدر عنه، كان كمن ينظر إِلَى مَا جرى عَلَى يد المسيح صلوات اللَّه عَلَيْهِ من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الالهية، ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه إلا مَا يستحقه. وَقَدْ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ السمرقندي بإسناد إِلَى يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ سألت شعبة وسفيان بْن سَعِيد وسفيان بْن عيينة ومالك بْن أنس عَنْ الرَّجُل لا يحفظ أَوْ يتهم فِي الحديث، فقالوا جميعا: يبين أمره.
وَقَدْ كان الإمام أَحْمَد بْن حنبل يمدح الرَّجُل ويبالغ، ثم يذكر غلطه فِي الشيء بعد الشيء وقال: نعم الرَّجُل فلان لولا أن خلة فيه. وقال عَنْ سري السقطي: الشيخ المعروف بطيب المطعم. ثم حكى لَهُ عنه أنه قَالَ: إن اللَّه عز وجل لما خلق الحروف سجدت الباء، فَقَالَ: نفروا الناس عنه.
...
 
نماذج من أخطاء الصوفية:
 

قَالَ السراج: بلغني أن أبا الْحُسَيْن النوري شهد عَلَيْهِ غلام الخليل أنه سمعه يَقُول: أنا أعشق اللَّه عز وجل وَهُوَ يعشقني. فَقَالَ النوري سَمِعْتُ اللَّه يقول: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وليس العشق بأكثر من المحبة ..
قَالَ المصنف: وهذا جهل من ثَلاثَة أوجه:
أحدها من حيث الاسم، فَإِن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح.
الثاني أن صفات اللَّه عز وجل منقولة فهو يحب، ولا يقال يعشق، كَمَا يقال يعلم ولا يقال يعرف.
والثالث من أين لَهُ أن اللَّه تعالى يحبه ؟ فهذه دعوى بلا دليل، وَقَدْ قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من قَالَ إني فِي الْجَنَّة فهو فِي النار".

 ...
 
ونقلت من خط أبي الوفاء بْن عقيل، قَالَ: قَالَ ابْن شاذان:
دخل جماعة من الصوفية عَلَى الشبلي، فأنفذ إِلَى بعض المياسير يسأله مَا لا ينفقه عليهم، فرد الرسول وقال: يا أبا بَكْر أنت تعرف الحق فهلا طلبت مِنْهُ.
فَقَالَ للرسول: (ارجع إليه، وقل لَهُ الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك، وأطلب الحق من الحقI. فبعث إليه بمائة دِينَار.
قَالَ ابْن عقيل: إن كان أنفذ إليه المائة دِينَار للافتداء من هَذَا الكلام القبيح وأمثاله، فقد أكل الشبلي الخبيث من الرزق وأطعم أضيافه مِنْهُ.

..
 

عَنْ أبي طالب الرازي، قَالَ: (حضرت مَعَ أصحابنا فِي موضع  فقدموا اللبن، وقالوا لي:  كل، فقلت: لا آكله، فانه يضرني. فلما كان بعد أربعين سنة، صليت يوما خلف المقام ودعوت اللَّه عز وجل، وقلت: اللهم إنك تعلم أني مَا أشركت بك طرفة عين، فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول: ولا يوم اللبن).
قَالَ المصنف: وهذه الحكاية اللَّه أعلم بصحتها. واعْلَمْ أن من يَقُول (هَذَا يضرني) لا يريد أنه يفعل ذلك الضرر بنفسه، وإنما يريد أنه سبب الضرر،  كَمَا قَالَ الخليل صلوات اللَّه وسلامه عَلَيْهِ {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}،  وقد صح عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا نفعني مال كمال أبي بَكْر"،  وقوله (مَا نفعي) مقابل لقول القائل (مَا ضرني) .. 
 
...
 

أنبأنا أَبُو المظفر عَبْد المنعم بْن عَبْدِ الكريم،  ثنا أبي قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت منصور بْن عَبْدِ اللَّهِ الأصفهاني يَقُول:
سمعت أبا علي الروزباري يَقُول: إذا قَالَ الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وأمروه بالكسب.

..


وسمع ابْن عقيل بعض الصوفية يَقُول أن مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إِلَى اللَّه بالأناشيد،  فَقَالَ ابْن عقيل:
لا كرامة لهذا القائل،  إنما تحدى القلوب بوعد اللَّه فِي القرآن ووعيده وسنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،  لأن اللَّه سبحانه وتعالى قَالَ: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)،  وما قَالَ وإذا أنشدت عَلَيْهم القصائد طربت. فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عَنِ اللَّه. والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتعدد عنه فتنه. ومن سولت لَهُ نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون. بل ينبغي النظر إِلَى المحال التي أحالنا عليها، كالإبل والخيل والرياح ونحو ذلك، فإنها منظورات لا تهيج طبعا، بل تورث استعظاما للفاعل ..

...

 
وَقَدِ احتج بعضهم - في جواز الرقص - بقوله تعالى لأيوب: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} .
قَالَ المصنف رحمه اللَّه: قلت وهذا الاحتجاج بارد، لأنه لو كان أمر بضرب الرَّجُل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرَّجُل لينبع الماء.
قَالَ ابْن عقيل: أين الدلالة فِي مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأَرْض لينبع الماء إعجازا من الرقص؟ !  ولئن جاز أن يكون تحريكرِجل قد أنحلها تَحكّم الهوام دلالة عَلَى جواز الرقص فِي الإسلام، جاز أن يُجعل قوله تعالى لموسى (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) دلالة عَلَى ضرب الجماد بالقضبان !  نعوذ بالله من التلاعب بالشرع.

...
 

 تلبيس إبليس عَلَى الصوفية فِي ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز فِي الأموال:

قال الخلال: وأخبرني مُحَمَّد بْن أحمد بْن جامع الرازي قَالَ: سمعت الْحُسَيْن الرازي قَالَ:
شهدت أحمد بْن حنبل، وجاءه رجل من أهل خراسان فَقَالَ لَهُ: (يا أبا عَبْد اللَّهِ، معي درهم، أحج بهذا الدرهم؟).
فَقَالَ لَهُ أحمد: (اذهب إِلَى باب الكرخ فاشتر بهذا الدرهم حبا، واحمل عَلَى رأسك حتى يصير عندك ثلثمائة درهم، فَحُجّ)
قَالَ: (يا أبا عَبْد اللَّهِ أما ترى مكاسب الناس؟) 
قَالَ أحمد: (لا تنظر إِلَى هَذَا، فإنه من رغب فِي هَذَا يريد أن يفسد عَلَى الناس معايشهم).
قَالَ: (يا أبا عَبْد اللَّهِ أنا متوكل)
قَالَ: فتدخل البادية وحدك أَوْ مَعَ الناس ؟)
قَالَ: (لا مَعَ الناس).
قَالَ: (كذبت إذن، لست بمتوكل، فادخل وحدك، وإلا فأنت متوكل عَلَى جراب الناس).
 

....
 

ذكر تلبيس إبليس عَلَى الصوفية إذا مات لهم ميت:
.. أنهم يقولون: لا يبكى عَلَى هالك. ومن بكى عَلَى هالك خرج عَنْ طريق أهل المعارف.
قَالَ ابْن عقيل:
وهذه دعوى تزيد عَلَى الشرع،  فهي حديث خرافة،  وتخرج عَنِ العادات والطباع،  فهي انحراف عَنِ المزاج المعتدل،  فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدلة للمزاج،  فَإِن اللَّه تعالى أخبر عَنْ نبي كريم فَقَالَ: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} وقال: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} وبكى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند موت ولده وقال: "إن العين لتدمع" وقال: "واكرباه" وقالت فاطمة رضي اللَّه عنها وأكرب أبتاه،  فلم ينكر،  وسمع عُمَر بْن الخطاب رضي اللَّه عنه متمما يندب أخاه ويقول:
وكنا كندماني جزيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فقال عُمَر رضي اللَّه عنه: ليتني كنت أقول الشعر فأندب أخي زيدا،  فَقَالَ متمم: لو مات أخي كَمَا مات أخوك مَا رثيته،  وكان مالك مات عَلَى الكفر وزيد قتل شهيدا، فَقَالَ عُمَر: مَا عزائي أحد فِي أخي كمثل تعزيتك. ثم لا تزال الإبل الغليظة الأكباد تحن إِلَى مآلفها من الأعطان والأشخاص وترغو للفصلان،  وحمام الطير ترجع،  وكل مأخوذ من البلاء فلا بد أن يتضرع،  ومن لم تحركه المسار والمطربات وتزعجه المخزيات فهو إِلَى الجماد به أقرب. وقد أبان النبي عَلَيْهِ الصلاة السلام عَنِ العيب فِي الخروج عَنْ سمت الطبع،  فَقَالَ للذي قَالَ (لم أقبل أحدا من ولدي،  وكان لَهُ عشرة من الولد) فَقَالَ: أَوْ أملك لك أن نزع اللَّه الرحمة من قلبك  ؟ وجعل يلتفت إِلَى مكة لما خرج. فالمُطالب لما يخرج عَنِ الشرائع وينبو عَنِ الطباع جاهل يطالب بجهل. وَقَدْ قنع الشرع منا أن لا نلطم خذا ولا نشق جيبا، فأما دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب فِي ذلك.

..
 
 
نقد إجمالي:

قَالَ أبو الوفاء بْن عقيل:  
وأنا أذم الصوفية لوجوه يوجب الشرع ذم فعلها:
منها أنهم اتخذوا مناخ البطالة، وهي الأربطة، فانقطعوا إليها عَنْ الجماعات فِي المساجد، فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات، وصمدوا فيها للبطالة عَنْ أعمال المعاش، وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء، وعولوا عَلَى الترقيع المعتمد به التحسين تلميعا، والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع فِي نفوس العوام والنسوة من تلميع السقلاطون بألوان الحرير، واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا عَنْ فساد قلوب النسوة عَلَى أزواجهن. ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال، كالعداد والأجناد وأرباب المكوس، ويستصحبون المردان فِي السماعات، يجلبونهم فِي الجموع مَعَ ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة. ويستحلون بل يوجبون اقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه.
ويسمون الطرب وجدا، والدعوة وقتا، واقتسام ثياب الناس حكما. ولا يخرجون عَنْ بيت دعوا إليه إلا عَنْ إلزام دعوة أخرى، يقولون أنها وجبت، واعتقاد ذلك كفر، وفعله فسوق. ويعتقدون أن الغناء بالقضبان قربة. وَقَدْ سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخذة مجاب، اعتقادا منهم أنه قربة، وهذا كفر أيضا، لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا، والناس بين تحريمه وكراهيته.
ويسلمون أنفسهم إِلَى شيوخهم، فَإِن عولوا إِلَى مرتبة شيخه قيل (الشيخ لا يعترض عَلَيْهِ)، فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه فِي سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا، وفي الأفعال المعلومة كونها فِي الشريعة فسقا، فَإِن قبل أمردا قيل (رحمة)، وإن خلا بأجنبية قيل (بنته) وَقَدْ لبست الخرقة، وإن قسم ثوبا عَلَى غير أربابه من غير رضا مالكه قيل (حكم الخرقة).  وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله، إذ ليس لنا شيخ غير داخل فِي التكليف، وإن المجانين والصبيان يضرب عَلَى أيديهم، وكذلك البهائم، والضرب بدل من الخطاب، ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبا بَكْر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عنه، وَقَدْ قَالَ إن اعوججت فقوموني، ولم يقل فسلموا إلي. ثم أنظر إِلَى الرسول صلوات اللَّه عَلَيْهِ كيف اعترضوا عَلَيْهِ، فهذا عُمَر يَقُول: (مَا بالنا نقصر وَقَدْ أمنا؟) وآخر يَقُول: (تنهانا عَنِ الوصال وتواصل؟) وآخر يَقُول: (أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ؟). ثم إن اللَّه تعالى تقول لَهُ الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} ويقول مُوسَى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}. وإنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين
ويسلمون أنفسهم إِلَى شيوخهم، فَإِن عولوا إِلَى مرتبة شيخه قيل (الشيخ لا يعترض عَلَيْهِ)، فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه فِي سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا، وفي الأفعال المعلومة كونها فِي الشريعة فسقا، فَإِن قبل أمردا قيل (رحمة)، وإن خلا بأجنبية قيل (بنته) وَقَدْ لبست الخرقة، وإن قسم ثوبا عَلَى غير أربابه من غير رضا مالكه قيل (حكم الخرقة).  وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله، إذ ليس لنا شيخ غير داخل فِي التكليف، وأن المجانين والصبيان يضرب عَلَى أيديهم، وكذلك البهائم، والضرب بدل من الخطاب، ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبا بَكْر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عنه، وَقَدْ قَالَ إن اعوججت فقوموني ولم يقل فسلموا إلي ثم أنظر إِلَى الرسول صلوات اللَّه عَلَيْهِ كيف اعترضوا عَلَيْهِ فهذا عُمَر يَقُول مَا بالنا نقصر وَقَدْ أمنا وآخر يَقُول تنهانا عَنِ الوصال وتواصل وآخر يَقُول أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ ثم إن وَاللَّه تعالى تقول لَهُ الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} ويقول مُوسَى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} وإنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين، وسلطنة سلكوها عَلَى الأتباع والمريدين، كَمَا قَالَ تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}.
 ولعل هذه الكلمة من القائلين منهم (بأن العبد إذا عرف لم يضره مَا فعل) وهذه نهاية الزندقة، لأن الفقهاء أجمعوا عَلَى أنه لا حالة ينتهي إليها العارف إلا ويضيق عَلَيْهِ التكليف، كأحوال الأنبياء يضايقون فِي الصغائر. فالله اللَّه فِي الإصغاء إِلَى هؤلاء الفُرَّغ الخالين من الإثبات، وإنما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمال: مرقعات وصوف، وبين أعمال الخلعاء الملحدة: أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع.
 ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة، فجاؤا بوضع أهل الخلاعة.
 فأول مَا وضعوا أسماء، وقالوا حقيقة وشريعة. وهذا قبيح، لأن الشريعة مَا وضعه الحق لمصالح الخلق، فما الحقيقة بعدها سوى مَا وقع فِي النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة فِي غير الشريعة فمغرور مخدوع. 
وإن سمعوا أحدا يروي حديثا، قالوا: (مساكين أخذوا علمهم ميتا عَنْ ميت، وأخذنا علمنا عَنِ الحي الذي لا يموت) فمن قَالَ (حَدَّثَنِي أبي عَنْ جدي، قلت حَدَّثَنِي قلبي عَنْ ربي) فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغماز، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال ..
وبغضهم الفقراء أكبر الزندقة، لأن الفقهاء يخطرونهم بفتاويهم عَنْ ضلالهم وفسقهم، والحق يثقل كَمَا تثقل الزكاة، وما أخف البذل عَلَى المغنيات، وإعطاء الشعراء عَلَى المدائح. وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث.
 وَقَدْ أبدلوا إزالة العقل بالخمر بشيء سموه الحشيش والمعجون، والغناء المحرم سموه السماع والوجد. والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام.
 كفى اللَّه الشريعة شر هذه الطائفة الجامعة بين دهمثة فِي اللبس وطيبة فِي العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع، ولذلك خفّوا عَلَى القلوب. ولا دلالة عَلَى أنهم أرباب باطل أوضح من محبة طباع الدنيا لهم كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات.
قال ابْن عقيل:
 فَإِن قَالَ قائل: هم أهل نظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق ..
 قلت: لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بِهَا قلوب أمثالكم، لم يدم لهم عيش. والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية. ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على المواتد ومخانيث بغداد ودماثة المغنيات، لعلمت أن طريقهم طريقة الفكاهة والخداع. وهل يخدع الناس إلا بطريقة أَوْ لسان، فَإِذَا لم يكن للقوم قدم فِي العلم ولا طريقة، فبم ذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال ؟
 واعلم أن حمل التكليف صعب، ولا أسهل عَلَى أهل الخلاعة من مفارقة الْجَمَاعَة، ولا أصعب عليهم مِن حَجْر ومنْع صَدَر من أوامر الشرع ونواهيه.
 وما عَلَى الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين! فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان ..
 وما كان السلف كذلك، بل كانوا فِي باب العقائد عبيد تسليم، وفي الباب الآخر أرباب جد.
 قَالَ: ونصيحتي إِلَى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إِلَى خرافات المتصوفين، بل الشغل بالمعاش أولى من بطالة الصوفية، والوقوف عَلَى الظواهر أحسن من توغل المنتحلة. وَقَدْ خبرت طريقة الفريقين: فغاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح.
قال ابْن عقيل: .. ومن قَالَ (حَدَّثَنِي قلبي عَنْ ربي) فقد صرّح انه غني عَنِ الرسول، ومن صرح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة فِي الشريعة تحتها هذه الزندقة. ومن رأيناه يزري عَلَى النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع. وما يؤمن هَذَا القائل (حَدَّثَنِي قلبي عَنْ ربي) أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين، فقد قَالَ اللَّه عز وجل: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} وهذا هو الظاهر، لأنه ترك الدليل المعصوم، وعول عَلَى مَا يلقي فِي قلبه الذي لم يثبت حراسته من الوساوس. وهؤلاء يسمون مَا يقربهم خاطرا.
 قَالَ: والخوارج عَلَى الشريعة كثير، إلا أن اللَّه عز وجل يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عَنِ الشريعة حفظها لأصلها، وبالفقهاء لمعانيها، وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا ترتفع ...
 هَذَا كله من كلام ابْن عقيل رَضِيَ اللَّهُ عنه فلقد كان ناقد مجيدا متلمحا فقيها.




التوقيع


سحرتني بطيبة قلبهآ..تمنيت أن أرى عينهآ
فإن حظيت بسماع ضحكهآ .. لنسيت قسوة الدنيا ومن بهآ
#مقصودة
تأليفي~

Ahmed Reda
مراقب الدردشة

مراقب الدردشة

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 1916

نقاط النشاط : 2202

السٌّمعَة : 9

بلد العضو :




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب هذه المساهمة مطرود حالياً من المنتدى - معاينة المساهمة

رد: الصوفية: دراسة وانتقادات

مُساهمة من طرف Mr.AbDo في الثلاثاء نوفمبر 01, 2016 10:40 am


Mr.AbDo
فريق الدردشة

فريق الدردشة

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 601

نقاط النشاط : 621

السٌّمعَة : 1

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتدي الابداع العربي فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى