إبتلاء أم عقوبة ؟

صفحة 2 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في السبت يونيو 04, 2016 11:02 pm


تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

حين طلبت مني بنتي (نوارة) أن أتحدث عن الابتلاء، أثارث في نفسي استغراباً، وذكَّرتني بأنها المرة الأولى التي أحاول فيها طرق الموضوع مستقلاً طيلة حياتي على قربه وأهميته.

جوانب منه عالجتها ضمن حلقات إعلامية، لكن لا أذكر أني جمعت أطرافه وسؤالاته في حيزٍ واحدٍ مع تعلُّقه بكل مخلوق بلا استثناء.

أولاً: الحياة التي تنبض في جسدك ابتلاء، والموت الذي سيطويك هو ابتلاء: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، تفصيلات الحياة؛ أنفاسها، تحوّلاتها، وجوهها، أدواتها.

الابتلاء هنا جماعي يدعو إلى السباق والتنافس الشريف بين الشعوب والفرق والطوائف.

مسؤولية الفرد ليست ملغاة أو مصادرة، فهو موضع الابتلاء: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا).

الإكرام والنعمة ابتلاء، والفقر والتضييق ابتلاء، ومعايير الناس ليست رشيدة دائماً؛ إذ يَعُدُّون الرزق علامة الرضا، والحرمان علامة الغضب والإهانة!

تأمَّل نفسك، وتأمَّل الناس من حولك.. تجد جلّهم هكذا ينظرون ويُفكِّرون، حين لا يتحقق لهم ما يريدون يحسبون الأمر عقاباً أو سخطاً، ويندر أن تجد المُنَعَّمين والموسَّع عليهم يُداخلهم خوف أو تردد أن يكون العطاء عقوبة!!

ثانياً: التعامل الإيجابي مع الابتلاء هو سر النجاح؛ أن تتعامل مع الممكن وليس مع المستحيل، ومن الناس من يقضي عمره في تمني المحال بدل أن يمضيه في فعل المستطاع!

الصبر على ما تكره في الوجود هو الدرجة الأولى « وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ »، والرضا درجةٌ أتمُّ وأسمى.


رضيت في حبك الأيام جائرة ... فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

والدرجة العليا هي الشكر، وهي من أعلى المنازل وهي فوق منزلة الرضا وزيادة، فالرضا مندرج في الشكر إذ يستحيل وجود الشكر بدونه، وهو نصف الإيمان؛ فالإيمان نصفان: «نصف شكر، ونصف صبر».

الصبر الجميل يتطور بالمحاولة إلى رضا، والرضا يرتقي إلى مقام الشكر.

كتاب «سكينة الروح، صفاء العيش في حلو الأيام ومرها» من تأليف: "بيرم كرسو"، يحوي أفكاراً جميلة في تَقبُّل الواقع كما هو إن وقع علينا، أو على من حولنا.

إدمان التذمر عادة مدمرة لنفسية الفتى أو الفتاة، وكثرة التضجُّر والشكوى واستجلاب الشفقة هي سلبية لا تليق بالمخلوق المزوَّد بأدوات المقاومة والتكيُّف، والممكَّن من اختطاط سبيل الإيمان والتوكُّل.

ثالثاً: اللسان يشترك مع الإنسان في معظم حروفه في لغة العرب، وقد عدَّه "زهير" نصفاً حين قال:


لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يسبق إلاّ صورة اللحم والدّمِ

فالإنسان إذاً هو مجموعة الكلمات والحروف والجمل؛ التي ينطق بها في حياته، حتى الأبكم لديه كلمات إيجابية أو سلبية، ولكنه لا يستطيع البوح بها، وهي تعبِّر عن شخصيته، ومزاجه، وحالته النفسية.

كل المشاريع والأفكار الإبداعية العظيمة كانت قبل أن ترى النور كلمات يتحادث حولها أصحابها، ويُقدِّمون الدراسات، ولذا قال: علي بن أبي طالب وأيضاً سقراط: «تحدَّث حتى أراك»!

قصة الرقيب والعتيد وهما وصفان للملكين الموكلين بالإنسان مدعاة للتأمل، فهما يكتبان الأقوال، ومعنى ذلك أنهما قريبان من منطقة الفم؛ لرصد الحروف والكلمات التي يتفوَّه بها، ولا يحاسب عليها الإنسان ما دامت مجرد فكرة عابرة.

أولئك الذين يشتغلون دوماً بندب حظهم العاثر، وشخصياتهم المحطَّمة، وفشلهم الأزلي.. هم يبنون الأسوار بعد الأسوار التي تجعل خلاصهم أمراً في غاية العسر ما لم يَكُفُّوا عن هجاء القدر بلغتهم السوداوية!

تسألني ابنتي: وهل تريد منَّا أن نُمثِّل فنقول خلاف الواقع؟

نعم؛ قولي خلاف الواقع الذي اعتدت على رؤيته، والتفتي إلى واقع آخر إلى جانبه، أو على الفلسفة العمرية الرائعة؛ «فرِّي مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ»، أو التفتي إلى أمل قريب يوشك أن يكون واقعاً لو أردت، والقرآن ربط الخير والشر، والإيمان والإلحاد، وسائر أفعال الإنسان بـ«الإرادة».

اقرئي الوجه المشرق حتى في المنع، والحرمان، والمرض، والأذى، والمصائب..

هذا الذي تسمينه "تمثيلاً" سيُصبح مع التدريب والمداومة عادة حسنة، وما تقولينه سوف تسمعه أذنك، ويخزنه عقلك الباطن، ويعيد إملاءه عليك!

حتى في المزاح علينا أن نتوقَّى الألفاظ السلبية، فالمريض الذي يتندَّر أن المرض يغادره ليُفسح الطريق لعِلَّة أشد وأقسى.

والطالب الذي يقول أنه مثل "سائق الباص" ينزل الركاب، ويأتي آخرون، وهو في مكانه لا يبرح ولا يريم!

والبنت التي تقول أنها ترى أحلاماً لبنات فتُفسَّر بزواجهن، فتقول: مهمتي الحلم، ومهمتكن الزواج!

وصاحب الدعابة الذي يتندَّر على والده، أو على كبار السن بالموت، وأنكم على شفير القبر.. عليه أن يَكُفَّ عن هذا المزاح، فهو قول سلبي، ولديه (رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وإياك أن تظن أن ضحك من حولك يعني تسويغاً تاماً لما تقول، قد تعجبهم النكتة، وفي داخلهم ضيق لا يكاد يبين، ستدركه إن كنت من ذوي الفراسة المُتَوَسِّمِين.

رابعاً: الابتلاء إذاً يكون بالخير وبالشر؛ (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً).

والمقصود منه: ظهور علم الله في العبد، فينتقل من علم الغيب إلى علم الشهادة، ويراه الناس عياناً، ويتحدثون به، ولذا كان عمر -رضي الله عنه- يقول: «الغِنَى والفقر مطيَّتان، والله ما أُبالي أيُّهما ركبت!».

وقول المُلهَم عمر يَطَّرِد في الصحة والمرض، والشهرة والخمول.

وقد عقد ابن القيم مناظرة في التفضيل بين "الغني الشاكر، والفقير الصابر"، وانتهى إلى أن أفضلهم اتقاهم لله إذا تساووا في كل شيء.

وصف عطاء الخراساني حجرات أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: أدركت حجر أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم، فسمعت سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها.

وقال يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.

وجاء في السنَّة عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ ». أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" والحاكم وصححه.


أَماوِيُّ إِنَّ المالَ غادٍ وَرائِحٍ ... وَيَبقى مِنَ المالِ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

أَماوِيُّ إِنّي لا أَقولُ لِسائِلٍ ... إِذا جاءَ يَوماً حَلَّ في مالِنا نَزرُ

أَماوِيُّ إِمّا مانِعٌ فَمُبَيَّنٌ ... وَإِمّا عَطاءٌ لا يُنَهنِهُهُ الزَجرُ

أَماوِيُّ ما يُغني الثَراءُ عَنِ الفَتى ... إِذا حَشرَجَت نَفسٌ وَضاقَ بِها الصَدرُ

مكث أَيُّوب عشرين سنه طريح فراشه، فقال الله لنا: (وَجَدْنَاهُ صَابِراً)، وصرنا نقول: «صَبْر أَيُّوب».

سنين طوال وهذي الجراح
تمزّق جنبي مثل المدى
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى
ولكنَّ أيوب إن صاح صاح
لك الحمد يا رامياً بالقدر
ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء!

مرض جسمٌ فتعافت روح، وأشرقت بنور ربها.. حين ابتهل السيَّاب:

لأنه منك حلو عندي المرض ... حاشا فلست على ما شئت أعترض!

منطرحاً أمام بابك الكبير

أصرخ في الظلام أستجير

يا راعي النمال في الرمال

و سامع الحصاة في قرارة الغدير!

قيمة الإنسان الحقَّة هي في ذاته ومعدنه، وليست في الأشياء، فالأشياء تذهب وتجئ، وتُمنح وتُمنع، والكرسي دوَّار.. (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ).


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف lm3aLM med riadh في الأربعاء يونيو 08, 2016 5:16 am


بارك الله فيك


lm3aLM med riadh
عضو محترف
عضو محترف

عدد المساهمات : 3110


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في الأربعاء يونيو 08, 2016 9:54 am


شكر للمرور منور


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف Knight في الأربعاء يونيو 08, 2016 12:15 pm


Knight
نائب الإدارة

نائب الإدارة

الجنس : ذكر

القوس

عدد المساهمات : 20683

نقاط النشاط : 21926

السٌّمعَة : 53

بلد العضو :

العمر : 30







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في الأربعاء يونيو 08, 2016 1:44 pm


شكرا على مرور


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف AsEeR CaFe في الثلاثاء يونيو 14, 2016 12:51 pm


AsEeR CaFe
مدير المنتدى

مدير المنتدى

الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 47869

نقاط النشاط : 52846

السٌّمعَة : 255

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في الثلاثاء يونيو 14, 2016 1:10 pm


شكرا على المرور


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف BeN.ShArAbi في الأربعاء يونيو 15, 2016 4:24 am


BeN.ShArAbi
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

القوس

عدد المساهمات : 59996

نقاط النشاط : 66579

السٌّمعَة : 884

بلد العضو :

العمر : 19


http://www.ben7sharabi.com/forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في الأربعاء يونيو 15, 2016 11:17 am


شكرا على المرور منور


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في الجمعة يونيو 17, 2016 9:13 pm


السسلآلآم عليككم ورحمة الله وبركاته...
~يسعد ايامكك ..
ماشاءالله عليك جدا جميله المشاركه 
الله يكتب أجرك ويارب تكون في موآزين اعمالك 
ماقصرت على هالحضور بجد أبدعت..
جهود مبارك جزاك الله خيرا
دمت ودام عطائك
ودائما بأنتظار جديدك الشيق
لك خالص تقديري واحترامي
دمت بخير


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف زائر في الجمعة يونيو 17, 2016 9:15 pm


شكرا على المرور


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إبتلاء أم عقوبة ؟

مُساهمة من طرف Basil Abdallah في الثلاثاء يوليو 19, 2016 3:31 pm


كل الشكر والامتنان على روعهـ بوحـكـ
وروعهـ مانــثرت .. وجماليهـ طرحكـ
دمت ودام لنا روعه مواضيعك
#Basil Abdallah
@Basil Abdallah




التوقيع


من الحقائق الثابتة أنك تستطيع أن تنجح بسرعة وبأفضل طريقة، عندما تساعد الآخرين على النجاح
   

Basil Abdallah
اشراف عام الدردشة
اشراف عام الدردشة

الجنس : ذكر

السمك

عدد المساهمات : 10577

نقاط النشاط : 11334

السٌّمعَة : 69

بلد العضو :

العمر : 21






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 3 الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتدي الابداع العربي فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى