أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف Knight في الجمعة سبتمبر 11, 2015 7:03 am



أعمال القلوب ومقاصد الشريعة


غاية الشريعة تعبيد الناس لرب العالمين " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات: 56] وذلك بالطاعة المطلقة لله تعالى، مع كمال الحب والذل والخضوع له .
وقد بين الله جل وعلا أن من مقاصد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم تزكية النفوس، كما في قوله : " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " [الجمعة: 2] ومعنى يزكيهم : (أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان) قاله ابن عباس (الجامع لأحكام القرآن) .
وأصل التزكية بمعنى التطهير، وقد جاء في السنة ما يبين معنى التزكية، وأن طعم الإيمان لا يوجد إلا بها، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان، من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة، ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولا يأمركم بشره، وزكى نفسه» فقال رجل : وما تزكية النفس ؟ فقال : (أن يعلم أن الله عز وجل معه حيث كان) (رواه الطبراني والبيهقي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة) .
وهذا المعنى وهو عبادة الله على الشهود والمراقبة من أعمال القلوب ، والله عز وجل يدعو عباده إلى ما فيه صلاح قلوبهم، وكذلك دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم يقول سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " [الأنفال: 24] .
(وقوله : " يُحْيِيكُمْ " وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلوب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام) (تيسير الكريم الرحمن) .
ويقرر ابن تيمية أن القلب كلما ازداد حبًا لله، ازداد عبودية له، وكلما ازداد له عبودية، ازداد له حبًا وحرية عما سواه .
فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، والعبادة لا تحصل إلا بإعانة الله له، فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة : " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " .
(فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادته لله، بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله لا يحب شيئًا لذاته إلا الله، فمتى لم يحصل له هذا : لم يكن حقق حقيقة (لا إله إلا الله) ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة، وكان فيه من النقص والعيب بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك) .
ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينًا بالله متوكلاً عليه مفتقرًا إليه في حصوله لم يحصل له (مجموع الفتاوى) .
وكثير ممن تكلموا عن مقاصد الشريعة لم يعطوا هذا الجانب حقه، بل ربما أغفله بعضهم، عند كلامهم على مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد .
يقول ابن تيمية في سياق كلام له حول مراتب المصالح والمفاسد : (وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله، من مصالح القلوب ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال الله تعالى : " وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " [الكهف: 28] وقال تعالى : " فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى " [النجم: 30]) .

فتجد كثيرًا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن، وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى سياسة النفس وتهذيب الأخلاق، بمبلغهم من العلم... وقوم من الخائضين في (أصول الفقه) وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع بالأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان : أخروية، ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله، وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها، كمحبة الله، وخشيته وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه : حفظًا للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح) (مجموع الفتاوى) .
هذا وقد مثل شيخ الإسلام لما ذكره آنفًا بتحريم الميسر فإن ذلك ليس لكونه معاملة فاسدة، أو لمجرد كونه أكلاً للمال بالباطل؛ بل لأنه بنص القرآن يصد القلب عن ذكر الله وعن الصلاة (انظر: مجموع الفتاوى) .
ثم قال : (فتبين أن الميسر اشتمل على مفسدتين: مفسدة في المال وهي أكله بالباطل، ومفسدة في العمل وهي ما فيه من... فساد القلب والعقل وفساد ذات البين، وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي، فينهى عن أكل المال بالباطل ولو كان بغير ميسر كالربا، وينهي عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال ، فإذا اجتمعا عظم التحريم) (انظر: مجموع الفتاوى) .


Knight
نائب الإدارة

نائب الإدارة

الجنس : ذكر

القوس

عدد المساهمات : 20512

نقاط النشاط : 21755

السٌّمعَة : 53

بلد العضو :

العمر : 30







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف RAID ALAMDAR في الجمعة سبتمبر 11, 2015 11:08 am


السلام عليكم .... بارك الله فيك على الموضوع المميز .. تقبل تحياتي





RAID ALAMDAR
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

السرطان

عدد المساهمات : 14267

نقاط النشاط : 15201

السٌّمعَة : 56

بلد العضو :

العمر : 29


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف Knight في السبت سبتمبر 12, 2015 1:12 am


Knight
نائب الإدارة

نائب الإدارة

الجنس : ذكر

القوس

عدد المساهمات : 20512

نقاط النشاط : 21755

السٌّمعَة : 53

بلد العضو :

العمر : 30







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف V.I.P في الثلاثاء يناير 05, 2016 9:37 pm


V.I.P
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

السرطان

عدد المساهمات : 8721

نقاط النشاط : 9459

السٌّمعَة : 10

بلد العضو :

العمر : 12


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف زائر في السبت أبريل 30, 2016 1:00 pm


وجدت هنا موضوع وطرح شيق
ورائع اعجبني ورآق لي
شكراً جزيلاً لك .
وبالتوفيق الدائم.


زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف L.Mogdad في الثلاثاء يونيو 28, 2016 6:42 am


شكرا اخي الغاليي على الطرح الرائع ,,,,,
واصل تالقك .... مع جزيل الشكر ..." تحية مع الشكر





L.Mogdad
اشراف عام الأقسام
اشراف عام الأقسام

الجنس : ذكر

نقاط التفاعل : 3 نقاط

الجوزاء

عدد المساهمات : 11638

نقاط النشاط : 14655

السٌّمعَة : 55

بلد العضو :

العمر : 16




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف Basil Abdallah في الثلاثاء يوليو 19, 2016 1:24 pm


شكر جزيلا للطرح القيم
ننتظر المزيد من ابداع مواضيعك الرائعة
تحياتي وتقديري لك




التوقيع


من الحقائق الثابتة أنك تستطيع أن تنجح بسرعة وبأفضل طريقة، عندما تساعد الآخرين على النجاح
   

Basil Abdallah
اشراف عام الدردشة
اشراف عام الدردشة

الجنس : ذكر

السمك

عدد المساهمات : 10534

نقاط النشاط : 11289

السٌّمعَة : 69

بلد العضو :

العمر : 21






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعمال القلوب ومقاصد الشريعة

مُساهمة من طرف Basil Abdallah في الثلاثاء نوفمبر 01, 2016 1:51 pm


شكرا لك على الطرح القيم




التوقيع


من الحقائق الثابتة أنك تستطيع أن تنجح بسرعة وبأفضل طريقة، عندما تساعد الآخرين على النجاح
   

Basil Abdallah
اشراف عام الدردشة
اشراف عام الدردشة

الجنس : ذكر

السمك

عدد المساهمات : 10534

نقاط النشاط : 11289

السٌّمعَة : 69

بلد العضو :

العمر : 21






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتدي الابداع العربي فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى