*هذا حوارٌ افتراضي جرى بين مسلم وملحد، يتناقش حول مسألة إبطال وجود أكثر من خالقٍ، والجواب عن سؤال: من خلق الله؟
قال الملحد: إنَّ قولَكم بأن اللهَ خالقُ كلِّ شيء قولٌ يُفسده السؤال: "فمن الذي خلقَ الله"

قال المسلم: كلا، لا يُفسده، لأننا نقولُ بأن كلَّ كيان يتصف بصفة الخلق ويتصفُ كذلك بأن له مَن خَلقه فهو كمخلوقاتِه مخلوق .. وكلُّ صانعٍ يوصفُ بأنه صانع وبأن له مَن صَنعه فهو مثلُ صَنعتِه مصنوع! وهذا حالُ سائرِ الكائنات التي لها قدرة على الخلق والتصنيع - وهو في حقها تحويل من مخلوق إلى مخلوق وليس إحداثا من عدم - في دائرةِ هذا الكونِ المخلوق.. فهل هذا القولُ يَلزم منه امتناعُ وجودِ خالقٍ أعلى خارجَ هذه الدائرة، لا خالقَ له ولا صانعَ له ولا كفؤ، يكون هو أصلُ الأمرِ ومبدأُه؟؟

كلا! بل إن هذا الخالقَ واجبُ الوجودِ عقلا، فهو نهايةُ تلك السلسلةِ التي لا يستقيمُ للعقلِ انتهاؤها إلا بها! فنحن إنما نتكلمُ عن ذاك الخالقِ الذي ليس بمخلوق، والذي هو خارجٌ عن هذا النظامِ جملةً وتفصيلاً فلا تسري عليه قواعدُه، ولا يُقاسُ بما فيه من خالقينَ مخلوقين، فهي قواعدُ كان هو من أنشأها في هذا الكونِ وبدأَها بخلقِه وقدرتِه بالأساس!

فالشيءُ المخلوقُ لا يخلقُ نفسَه، فلا بُد أن يخلقَه غيرُه، ولا بُد -عقلا- لهذه السلسةِ أن تنتهيَ عند موجدٍ أول، خالقٍ أول، لم يخلقْه شيء، وليس بداخلٍ في تلك السلسةِ كحلقةٍ منها أصلا، بل هو الذي خلق السلسةَ كلَّها بما فيها، فلا هو منها ولا تَحدُّه حدودُها ولا تنزلُ عليه نواميسُها!.. فذاك هو اللهُ الخلاقُ العليم..

قال الملحد: فإن كان لا تتنزلُ عليه نواميسُها كما تقولون، ولا تدركُه حواسُّنا، فكيف نطالبُ بأن تتصورَه عقولُنا وتؤمنَ به قلوبُنا؟

قال المسلم: العقلُ قادرٌ على تصورِ المعنى، لا الكيفَ والحقيقة، والفرقُ بينهما فرقٌ جوهريٌّ لكل عاقل! فأنا أُدركُ بعقلي إمكانَ وجودِ بلايينِ البلايينِ من الكواكبِ في مجراتِ الكونِ الفسيح .. ولكن هل عقلي يضبطُ لكيفيةِ ذلك أو لهيئتِه تصورا؟ هل يمكنني تصورُ نسبةِ حجمي أنا إلى حجم هذه الأرضِ وحدَها فضلاً عما هو أضخمُ منها وأفسحُ من الأجرامِ والأفلاكِ مِن حولِنا؟ كلا! أنا أَعلمُ بوجود الروحِ التي في الأجسادِ والتي بزوالِها يموت الإنسانُ الحيُّ، وعقلي يُقرُّ بضرورةِ وجودِها من حيثُ معناها وصفتِها، ولكن هل أتصورُ بعقلي شيئاً عن حقيقتِها وكيفِها، وهل يمكنني قياسُها أو تقديرُها رياضيا؟ كلا!

وهذا هو الفرقُ بين المعنى الذي يُحيلُه العقلُ ويمنعُه من الأساس، وبين المعنى الذي لا يُحيلُه العقلُ ولكنه لا يمكنُه قياسُ صفتِه على شيءٍ مُدرَكٍ يناظرُه، في كيفِه أو حقيقتِه، فتحارُ العقولُ في تصورِه معَ إقرارِها بصحة معناه وإمكانِ – أو وجوبِ - وجودِه!

فلو تأملتَ عقيدةَ النصارى في ثالوثِهم مثلا، لَتبين لك هذا الفرقُ الدقيق.. فهم يؤمنون بشيءٍ في حق الذاتِ الإلهيةِ يستحيلُ وجودُه عقلا من جهةِ المعنى نفسِه! فلا يمكنُ أن يكون الواحدُ ثلاثةً والثلاثةُ واحدًا عقلا! وهذا ما يجعلُ لكم أيها الملاحدةُ عليهم ظُهوراً في إبطالِ ثالوثِهم من أساسِه! ولكن إن جئتم إلى معتقدِ الموحدينَ المسلمينَ في ربِّهم، فإنكم لا تجدون عليهم سبيلاً في عقيدتِهم في ذاتِ وصفاتِ ربِّهم، ولا نرى منكم إلا التذرعَ بأنكم لا تدركون هذا الربَّ ولا يمكنكُم قياسُه على ما تدركون - وكأن ذلك مؤداهُ استحالةُ وجودِه عقلا كما هو الحالُ مع الثالوث!! - وبأنه "مخرجٌ سهلٌ من المشكلة" - وكأن سهولةَ معتقدِ الموحدينَ في الغيبِ مما يُدانون به وتدلُّ على بطلانِه! - وبأنه لا يمكنُ لموجودٍ ألا يخضعَ لقوانين الكون!! - فكأنكم سافرتم إلى ما وراءَ الكونِ فرأيتم أنه لا شيءَ غيرُه وراءَه، فلا يمكنُ أن يكون في الوجود إلا مثلَ ما أنتم خاضعون له في كونِكم هذا!!

فالفرق بيننا وبينكم أننا نَقبلُ ما تدلُّنا عليه كلُّ زفرةِ نَفَسٍ في أجسادِنا، وكلُّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في الكون المحكمِ من حولِنا، فلا ننسبُ موجدَه وخالقَه إلا لخالقٍ أكبرَ منه، خارجٍ عنه، لا يقاسُ في ذاتِه أو صفاتِه على شيءٍ مما فيه! أما أنتم فلفسادِ عقولِكم وتصوراتِكم، أبيتم إلا نفْيَ ذلك الصانعِ أصلاً وإنكارَ وجودِه جملةً واحدة، أو وضْعَ شيءٍ مصنوعٍ حقيرٍ في مكانِه - كالجينات - لا لشيءٍ إلا لتتمكنوا من إدراكِ كيفيتِه، وكأن عقولَكم هذه- التي لو قُدِّرَ لها أن تفهمَ كلامَ القردةِ لسمِعَتْ ذمَّها إيَّاكم- لا تقبلُ إلا ما يمكنُها تصورُ طبيعتِه وكيفيتِه بقياسِه على مثيلٍ أو نظير ! فأخبِرني أيها الملحدُ! إنَّك لتؤمنُ بأن للكون حداً ينتهي عندَه، أوَليس كذلك؟

الملحد: بلى!

المسلم: عظيم! مع أنَّ هذا الذي حسبوا قُطْرهُ إنما هو الكونُ المرئيُّ المشاهَدُ وليس الكونُ كلُّه، وذهبوا إلى أنه ماضٍ في التمددِ باطراد! وليس هذا شأني ولكن سؤالي لك: هل عندك فيما ترى في هذه الدنيا ما يمكنُك أن تقيسَ عليه حدَّ الكونِ الذي ينتهي عنده؟ بمعنى: هل رأيتَ في الدنيا ما يعينُك على تصورِ كيف يكون ذلك الحدُّ الذي قبْلَه مادةُ الكون، وبعدَه شيءٌ آخرُ لا تعلمُه ولا يمكنُك تصورُه، ولا يمكنُك إلا الإقرارُ بوجودِه هناك، أيَّاً ما كان ذلك الشيء؟؟

الملحدُ يصمتُ متأملا، ثم يقول: لا شكَّ أن ما بعد الكونِ فراغٌ وعدمٌ لا نهائي!

المسلم: لا شك أنك كاذب! أتدري لماذا؟

الملحد: لماذا؟

المسلم: لأن الذي يبني اليقينَ والجزمَ "بقولِه لا شك" على افتراضٍ لا يدري له دليلا عقليا ولا حِسيا كاذبٌ!

وعلى أيِّ حالٍ فالذي أَعنيه أن هناك وراءً للكون خارجاً عنه، وأنت لا يمكنُك أن تتصورَ كيفَه أو طبيعتَه أيَّاً كان، مع أنك تُقرُّ عقلاً بإمكان وجودِه وضرورةِ وجودِ كيفيةٍ فيه مغايرةٍ لما في داخل الكون، وإلا لما أمكن القولُ – لغةً - بأن الحدَّ الفاصلَ هذا ينتهي عندَه الكون! أليس كذلك؟

الملحدُ لا يجيب!

المسلم: فلماذا إذاً تصرُّ على أن مجرد عجزِك عن تَصورِ كيفِ وذاتِ الإلهِ -التي نؤمن نحن بأنها تعلو وتسمو فوق السماواتِ والموجوداتِ كلها، وهي صفاتٌ لا يقبلُ العقلُ نفيها في حقِّه، ولا تقاسُ على شيءٍ من خلقه- دليلٌ على استحالةِ وامتناع وجودِه؟!

الملحدُ بِخُبث: ومن قال أننا نزعمُ استحالةَ وجودِه؟ ليس كذلك! ولكنه في نظرِنا لا يزيدُ على فكرةٍ نظرية، غيرُها من الأفكار أولى بأن يكون هو الحق!!

المسلم: لعلك تقصدُ فكرةَ داروين؟

الملحد: نعم!

المسلم: لماذا؟

الملحد: لأن كلَّ ما فيها من افتراضاتٍ مبناهُ أمورٌ مشاهدةٌ يمكن لنا أن نقيسَها ونُثبتَها بسهولة، ولا تنتهي بنا إلى شيءٍ غيبي!

المسلم: ليس كذلك! بل هي نظريةٌ مغلقةٌ محكمةُ الغلق، تفرضُ على العقل حِصاراً مدمراً لا يملك منه فكاكا! مَثلُها كمَثلِ الذي يضعُ قوماً في غرفةٍ ليس فيها إلا مقعدٌ خشبيٌّ قديمُ ومنضدة، يحبسِهم فيها ثم يقولُ لهم أنهم إن أرادوا معرفةَ تاريخَ بناءِ المبنى الذي فيه الغرفة واسمَ بانيه وسببَ بنائه لها والعامَ الذي توفي فيه - مثلا -، فما عليهم إلا إطالةَ البحثِ والتمحيصِ والتأملِ في الكرسيِّ والمنضدة!

يريدون قياسَ ما لا يُقاسُ وإدخالَه فيما علموا يقيناً أنه بضرورةِ العقل ليس داخلا فيه!

ولو خُضتُ الآن معك أيها الملحد! في مناقشةِ الداروينية، ثم رجعتُ بك إلى ما قبل "بُحيرة الحياة" التي تزعمون أن الحياةَ نشأت فيها، وحدثتُك عن الانفجارِ الكبير وما كان قبلَه، لقلت: هذا لا دخلَ له بالارتقاء، وإنما هو سؤالٌ يتعلق بالفلسفةِ أو بعلم الكونياتِ وأنا لا أُجيده، ولكل عِلمٍ من يختصُّ به!!

وأقولُ لك: إن كان إيمانُك بوجودِ خالقِك من عدمِه يتوقفُ على عِلمٍ أنت جاهلٌ به، وقد أوقفتَ عقلَك دونه لأنك لست من أهلِ النظرِ فيه، فلا أعلمُ في الأرض أجهلَ منك مهما بلغ بك علمُك!!

فسُحقاً لقومٍ ذلوا حتى اتخذوا القردةَ والنسانيسَ سلفاً لهم، وصار دأبُهم نبشَ الأرضِ بحثاً عن فضلاتِها وبقاياها!!