عذراء في الستين

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عذراء في الستين

مُساهمة من طرف صقر ليبيا في الأربعاء أكتوبر 08, 2014 7:15 pm


رن منبه الإزعاج الصباحيّ ولأول مرة منذ عقود من الرتابة لا أحاول تجاهله، أمد يدي نحوه، أسكته ثم أنظر إليه وأطيل النظر كأني أراه أول مرة، أنزل من سريري وأقول له “يسعدني ألا أسمع صوتك بعد الآن” يتجاهلني فأمضي نحو يوم لا أظنه يشبه أسلافه.

أشرب قهوتي على عجل وأنا أنظر من شرفة غرفتي إلى حديقتي المهملة الملهِمة بالفوضى التي تسكنني منذ سنين ولا أدري إن كان يمكن أن أسميها حديقة وأقول “سأجعل منك فردوسا لا تقلقي” إنها تذكرني هذا الصباح بجدتي زهرة التي ذبلت في انتظار ساقيها الذي جفف الكأس شراينه وشفطت الحسناوات دراهمه إلى أن رحل وظلت “الوليه بلا شاشيه” تستمد منها حمرة خديها كلما أغلق جدي باب الغرفة.

أُغلق باب الغرفة وأنطلق إلى مكتبي الذي لا يبعد عن منزلي سوى ربع ساعة.

المقبض باردٌ, متيبسٌ, يأبى أن ينصاع لأمر يدي لكني ما أنفك أحاول، لكن دون جدوى الباب مقفل على ما يبدو وليس من عاداتي أن أقفله.

- سيدة اعتياد إليك المفتاح.

تجيب الدهشة سؤالا:

- من أقفله ؟

- المدير العام الجديد، أخبرني أن لا أسمح لأحد بالدخول قبل مجيئك وأن أقفله حال ما تنتهين من جمع أغراضك.

لا أدرى إن ابتسمت في وجه تلك الموظفة أم لا ولكن قلت في نفسي “غب أيها قط العب أيها الفأر”

فتحت الباب فاستوقفني قولها:

- إن لم تكفيك العلب سأحضر المزيد.

لم أجب، دخلت وأغلقت الباب. جلست خلف مكتبي وكم بدا لي مريحا على غير العادة، وشرعت أجمع أشلائي من على المكتب: صورة أمي وأبي وصور أبناء أخي، حاملة الأقلام، بعض الملفات الشخصية وبعض ما كنت أزين به مكتبي. العلبة شبه فارغة، هذا كل ما حصدته بعد خمس وثلاثين سنة من العمل.

علبة شبه فارغة هي مجدي الكبير والأخير في هذه الوظيفة التي أعطيتها عمرا من العمر. مهلا نسيت ملفيَّ الطبي، حتما سيملأ هذه العلبة بكل ما فيه من تقارير مرضية خلفتها هذه الوظيفة أيضا، السكري والقلب وضغط الدم وما إلى ذلك من امتيازات الوظائف الحساسة.

إنجازات وصفقات وأصفار كثيرة على صكوك لم تحمل يوما اسمي لأني كنت أعمل لاسمي لا للرصيد البنكي واليوم حتى هذا الاسم لا يساوي صفرا.

كل هذا ليس مهما. تعلمت أن أعيش مباهجي أكثر من فجائعي مهما كانت الأولى بسيطة والثانية عظيمة.

لم يبقَ من العمر ما يكفي للندم على شيء، أساسا لا شيء يستحق الحسرة غير أن نبدد أيامنا في هجاء ما مضى وننسى مدح ما سيمضى ويدخل بدوره دائرة الهجاء. وإن كانت خيبتي أثقل من هذا الصندوق فيصعب عليَّ حمله إلى السيارة كما أنه قد يمنعني من توديع زملائي وزميلاتي، الجميع يحبني هنا وسيطول موسم الوداع وأخشى أن أبكي أمامهم.

غادرت مكتبا دخلته منذ برهة محملة بياء الملكية وها أنا اتركه مجردا منها، مجرد مكتب ينتظر ياء ملكية أخرى.
..................

ها أنا في طريق العودة إلى منزلي وبجانبي على الكرسي الأمامي علبتي، هي أيضا مثلكم تسأل عن تفاصيل موسم الوداع ومراسمه.

لقد أُلغيَّ ولم يحضر أحد يبدو أنهم كانوا مشغولين في موسم الاستقبال إنه أكثر بهجة، في النهاية من سيهب دموعه للمديرة السابقة بدل أن يهدي ابتسامة متملقة للمدير الجديد الذي يدرك أنها هدايا شخصيات متسلقة.

فعلا نسيت أن أعرفكم بنفسي:

الاسم: اعتياد اعتيادي

المهنة: متقاعدة

الحالة المدنية: عزباء

*************************************

أدخل بيتي وأصغي إلى الفراغ, إلى وحدتي وهي تلهو في البهو وإلى ما كان من شباب وهو يبعثر ثيابي المعلقة في الخزانة ويكتب بأحمر الشفاه على علبة دواء الضغط.

بعد ستين عاما أكتشف أن بيتي واسع وأني وحيدة وسط كل ما أملك أو ما كنت أظن أني أملكه. أصاب بالدوار، أرتمي على الأريكة فأسمع صدى أنين روحي ينبعث من أذني, كأنين السبايا، حفيف الحبال على معاصمهن وأصوات أقدامهن اللاتي تقبلن التراب وتسقينه بدماء جروحهن يُسمع في رأسي كمعزوفة إفريقية تقرع للبركان الغاضب.

كيف وصلت إلى هنا ؟ وكيف انشغلت في الحسابات المصرفية ولم أحسب حساب هذا اليوم ؟

أرفع رأسي وأنظر في المرآة إلى لوحة الزمن على وجهي وأتوقف عند محطات عرضها على مر الزمان…

في العشرين كان اسم هذه اللوحة “العروسة” وصفتها الناقدات “بالڨمره”. لوحة تشع حياة وجمالا، ولمعة غرور بشباب خائن غادر. لا أذكر تماما عدد الذين دخلوا بيتنا طالبين وخرجوا خائبين وكانت حجتي آن ذاك أن دراستي أهم وأن الوقت ما زال باكرا للحديث في أمور بديهية الحصول. ومر القطار نحو محطته التالية وعرضت اللوحة هذه المرة باسم جديد “الفرصة الأخيرة” وكنت أرفض أيضا وحجتي أني أريد أن أَثبُت في الوظيفة قبل أن أفكر في الانشغال عنها ببيت وزوج وتتأخر ترقيتي بسبب إجازات الأمومة ولم تكن أمي تقتنع، كنا نتشاجر ونتصالح كثيرا وأذكر أنها لم تفتح معي الموضوع منذ أن قلت لها بعد رفضي لابن صديقتها ” لن أذهب معه إلى الخليج وأعلق شهاداتي الجامعية في المطبخ وأعلمهن وصفات الأكلات التونسية وبعد سنة أعلمهن الاهتمام بالأطفال وبعد ثلاث سنوات أعرفهن على ضرتي الجديدة.” أما الناقدات والنقاد كانوا أكثر قسوة من ذي قبل واتفقوا جميعا على وضعي في قفص الاتهام، امرأة جميلة، مثقفة وحرة ما الذي يمنعها من الزواج غير أن يكون بها عيب وأنها وقعت في العيب ولو مرة في حياتها…

في الأربعين أيضا عرضت اللوحة لكنها كانت باهتة شاحبة وبدأت تتآكل بفعل الزمن وكل الذين وقفوا أمامها كانوا رجالا مستهلكين… وأما النقاد فما عاد أمرها يعنيهم منذ أن أصدروا حكمهم…

وانقطعت العادة وانقطع معها كل أمل وكل رغبة، بمَ قد يفيد الزواج امرأة في الخمسين ؟ الجنس ؟ إهانة أن أعاشر في هذا العمر شابا يستغل حسابي المصرفي وأستنزف حسابه الجسدي فبيننا فارق عملة، كما أنه سيبحث فيَّ عن خبرة لا أمتلكها وحتما سيخونني مع جسد يشاركه الجنون وألم كهذا قد يكسرني لذلك أغلقت المعرض ولم تعرض اللوحة بعد ذلك أمام أحد.



كل الذين وقفوا أمام اللوحة على اختلافاتهم كانوا ينقسمون إلى فريقين، فريق الذين أحبوني وكانوا جميعا خطرا على حلمي بأن أكون أقوى من جدتي وأمي وكان هذا الهاجس هو ما يمنعني دائما من أن انحاز للقلب وأنقلب على العقل الذي أرادني المرأة التي أنا عليها قبل يوم فقط، امرأة على رأس أهم الشركات العالمية وأما الفريق الثاني فالذين أحببتهم وكانوا جميعا جبناء، يخافون امرأة مستقلة أبت أن تكون لقمة سهلة في حرب حواء.

وستعرض اللوحة بعد رحيلي لذلك قررت أن أضع عليها لمساتي الأخيرة فحتما سيحضر النقاد جميعا مجاملة لذكرى هذه اللوحة…

**********************************

الانتظار، اعتياد الاعتيادي لم تعتد يوما على الانتظار، دائما كانت تركض نحو ما تريده لكن في الحياة هناك دائما أول مرة، قد تبدو لنا غريبة، ولكن بعد ذلك نعتاد…

لا يوجد كرسي واحد شاغر في هذه القاعة، بجانبي تجلس امرأة أربعينية عصبية تتصبب عرقا رغم أن الفصل شتاء وأمامي امرأة لم أتمكن من تحديد عمرها تقرأ مجلة فنية بتاريخ قديم كانت على الطاولة ضمن أخريات بجانبها شابة في ربيع العمر تجلس بصعوبة وتمرر يدها على بطنها المنتفخة بين الحين والآخر.

- سيدة اعتياد اعتيادي دورك.

دخلت ووجدته مبتسما كالعادة جلست وأُغلق الباب. شعرت أنه يريد قول أمر ما:

- انتظرت ستين عاما واتخذت القرار، قم بعملك.

احترم صمتي ولم يتكلم إلا وأنا ممدة فوق السرير وساقايَّ مرفوعتان إلى الأعلى:

- لماذا الآن وبهذه الطريقة تحديدا ؟

الجزء الثاني من سؤاله بدا لي أهم فأجبت:

- جئتك لأني لا أحب الابتذال والطرق الأخرى في هذا العمر فيها الكثير من الإذلال وأما عن سؤالك “لماذا” أحتفظ بالإجابة.

وأكمل عمله دون أن يقول حرفا. عذرا صرت أنسى كثيرا في الآونة الأخيرة، أنا الآن في عيادة الطبيب النسائي أفض بكارتي عنده.

خرجت من عيادة دخلتها آنسة في الستين، هذا اليوم انتظرته كثيرا وها قد جاء ولو متأخرا. الطبيب سألني لماذا، بكل بساطة كنت أريد أن أعرف كيف تحس المرأة دون بكارة والأهم ما كنت أريد أن أهب ما يعتبره العالم محور الأنوثة للتراب، للقبر البارد، مشرط الطبيب أحق بها.

ما همي أن يقولوا بعد موتي بنت الفاضل شريفة ؟ الموتى لا يأبهون بما ينسب إليهم من فضائل وما القيل والقال بفضيلة أساسا لا فضيلة إلا التي كانت تلبسها جدتي.

إيييه جدتي كم اشتقت إليك و كم كنت حكيمة حين كنت تقولين “الندم عدم”


صقر ليبيا
عضو خبير
عضو خبير

الجنس : ذكر

الجوزاء

عدد المساهمات : 1558

نقاط النشاط : 1967

السٌّمعَة : 17

بلد العضو :

العمر : 22


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف زائر في الأربعاء أكتوبر 08, 2014 8:00 pm


يعطيگ آلعآفيه على آلطرح آلقيم وآلرآئع

 چزآگ آلله گل خير وچعله فى ميزآن حسنآتگ يوم آلقيامه

 تسلم آلآيآدى وپآرگ آلله فيگ 

دمت پحفظ آلرحمن



زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف صقر ليبيا في الأربعاء أكتوبر 08, 2014 8:28 pm


نورتي موضوعي اختي جرح شكرا لك


صقر ليبيا
عضو خبير
عضو خبير

الجنس : ذكر

الجوزاء

عدد المساهمات : 1558

نقاط النشاط : 1967

السٌّمعَة : 17

بلد العضو :

العمر : 22


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف Al-SHAM5 في الأربعاء أكتوبر 08, 2014 9:04 pm


سلمت أناملك/ي الذهبية عالطرح الرائع
الذي أنار صفحات منتدى الابداع العربي
بكل ماهو جديد لكِ مني أرق وأجمل التحايا
على هذا التألق والأبداع
والذي هو حليفك/ي دوما" أن شاء الله





Al-SHAM5
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : ذكر

نقاط التفاعل : 3 نقاط

عدد المساهمات : 91812

نقاط النشاط : 101607

السٌّمعَة : 695

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف CeSaR في الخميس أكتوبر 09, 2014 2:42 am


CeSaR
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

الدلو

عدد المساهمات : 23517

نقاط النشاط : 27261

السٌّمعَة : 181

بلد العضو :

العمر : 16


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف صقر ليبيا في السبت أكتوبر 11, 2014 4:03 pm


شكرا لكم على المرور الجميل

أنرتم موضوعي

تحياتي لكم


صقر ليبيا
عضو خبير
عضو خبير

الجنس : ذكر

الجوزاء

عدد المساهمات : 1558

نقاط النشاط : 1967

السٌّمعَة : 17

بلد العضو :

العمر : 22


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف المحترف الذهبي في الأحد أكتوبر 12, 2014 1:37 am


المحترف الذهبي
عضو التميز
عضو التميز

الجنس : ذكر

الحمل

عدد المساهمات : 39162

نقاط النشاط : 44019

السٌّمعَة : 161

بلد العضو :

العمر : 21


http://www.pubda3m.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف صقر ليبيا في الأحد أكتوبر 12, 2014 3:45 pm


شكرا لكم على المرور الجميل

أنرتم موضوعي

تحياتي لكم


صقر ليبيا
عضو خبير
عضو خبير

الجنس : ذكر

الجوزاء

عدد المساهمات : 1558

نقاط النشاط : 1967

السٌّمعَة : 17

بلد العضو :

العمر : 22


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف ونناسهه في الإثنين أكتوبر 13, 2014 11:56 am


ونناسهه
بصمة خالدة
بصمة خالدة

الجنس : انثى

عدد المساهمات : 25001

نقاط النشاط : 27401

السٌّمعَة : 325

بلد العضو :


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عذراء في الستين

مُساهمة من طرف صقر ليبيا في الإثنين أكتوبر 13, 2014 8:07 pm


منورين موضوعي شكرا لكم


صقر ليبيا
عضو خبير
عضو خبير

الجنس : ذكر

الجوزاء

عدد المساهمات : 1558

نقاط النشاط : 1967

السٌّمعَة : 17

بلد العضو :

العمر : 22


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتدي الابداع العربي فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى